بقلم : ياسر عطية
هل العمر هو ذلك الذي نقيسه بالأرقام والسنين التي مضت؟
أم أن العمر الحقيقي هو ما عشناه من حب، وما شعرنا به من فرح، وما استمتعنا به من تفاصيل الحياة؟
أي عمرٍ قد مضى؟
مع زحمة الحياة وسرعتها، بكل ما فيها من صراعات ومنافسات، ربما نسينا أن نعيش عمرنا كما يجب أن يعاش. ظللنا نركض خلف أشياء كثيرة، نطارد النجاح، ونبحث عن المال، ونحاول أن نثبت أنفسنا أمام الآخرين، حتى مرت السنوات دون أن نشعر.
وفي لحظة ما، نتوقف فجأة ونسأل أنفسنا:
متى مر كل هذا العمر؟
كيف كبرنا بهذه السرعة؟
وأين ذهبت تلك الأحلام التي كنا نرسمها في خيالنا؟
أين الطموحات التي كانت تملأ قلوبنا؟
وأين قصص الحب التي نبض لها القلب يوما، وعاشها في الخيال أكثر مما عاشها في الواقع؟
كم من قصة حب بدأت داخل القلب ولم تعرف طريقها إلى الحياة!
وكم من مشاعر خبأناها خلف ستار الصمت، خوفا من الظروف، أو خوفا من الخسارة، أو لأننا كنا ننتظر الوقت المناسب.
لكن الوقت المناسب لم يأت…
ومضت الأيام.
ومضت معها أشياء كثيرة لم نعرف قيمتها إلا بعد أن أصبحت ذكريات.
لقد عشنا كثيرا من حياتنا ونحن نؤجل الحياة نفسها.
نقول: عندما أحقق هذا الهدف سأعيش.
وعندما أستقر سأحب.
وعندما تنتهى المسؤوليات سأستمتع.
وعندما تتحسن الظروف سأفعل ما أحب.
ثم نكتشف أن المسؤوليات لا تنتهى ، وأن الظروف لا تصبح مثالية ، وأن السنوات لا تنتظر أحدا .
وفجأة…
نجد أن العمر قد مضى .
لكن أي عمر مضى؟
هل مضى العمر فعلًا؟
أم أن الذي مضى هو الوقت فقط؟
ربما هناك فرق كبير بين الاثنين.
فالوقت يمضي دون أن يستأذننا، أما العمر فهو ما نضعه نحن داخل هذا الوقت .
قد يعيش إنسان خمسين عاما، لكنه لم يعش منها إلا سنوات قليلة شعر فيها بأنه حي بالفعل.
وقد يعيش آخر سنوات أقل ، لكنه يترك فيها من الحب والفرح والذكريات ما يكفي لعمر طويل .
هناك إنسان عاش عمره كله كما أراد الآخرون، ولم يسأل نفسه يوما : ماذا أريد أنا ؟
وهناك من أخفى ضحكته حتى لا يتهم بالجنون، وأخفى حبه حتى لا يجرح، وأخفى أحلامه حتى لا يسخر منها أحد .
ومع كل حلم مؤجل ، كانت قطعة صغيرة من روحه تنسحب من الحياة .
حتى جاء يوم وقف فيه أمام المرآة ، فلم يرَ وجها عجوزا بقدر ما رأى إنسانا تأخر كثيرا في أن يعيش نفسه .
تذكر الوجوه التي أحبها ولم يخبرها .
تذكر الأماكن التي أراد أن يذهب إليها ولم يذهب .
تذكر الكلمات التي كان يجب أن يقولها وقال بدلا منها الصمت .
تذكر أشخاصا كان يمكن أن يصنع معهم أجمل الذكريات، لكنه تركهم يمرون من حياته لأن الظروف لم تكن مناسبة .
وتذكر نفسه…
تلك النفس التي كانت تحلم ذات يوم بأن تعيش حياة مختلفة .
ثم يسأل السؤال الأصعب :
هل فات الأوان ؟
هل عندما يمضي العمر لا يبقى للإنسان إلا أن يجلس على مقعد الذكريات ، يشاهد حياته القديمة تمر أمام عينيه ، ويتحسر على ما لم يعشه ؟
أم أن فى الحياة بقية لم تبدأ بعد ؟
ربما نحن نخطئ عندما نظن أن الحياة تنتهي عندما تمضي سنوات الشباب .
فالحياة لا تقاس بعدد السنوات التي خلفناها وراءنا ، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها القلب أن يخفق من جديد .
قد يكون العمر قد مضى…
نعم .
لا نستطيع أن نعيد يوما واحدا منه ، ولا نستطيع أن نعود إلى الوراء لنقول كلمة لم نقلها، أو نعيش قصة انتهت قبل أن تبدأ، أو نستعيد شخصا اختار طريقا آخر .
لكننا نستطيع أن نفعل شيئا أهم:
أن نتوقف عن إضاعة ما تبقى .
أن نعيش .
أن نحب دون خوف زائد .
أن نفرح دون أن نشعر بالذنب .
أن نقترب ممن نحبهم .
أن نقول الكلمات التي تأخرنا في قولها .
أن نحقق حلما صغيرا ظللنا نؤجله سنوات .
أن نسافر إلى المكان الذي طالما حلمنا به .
أن نجلس مع من نحب دون أن ننشغل بالهاتف والوقت والعمل .
أن نمنح أنفسنا حقها في الحياة .
فربما السؤال ليس: كم مضى من العمر؟ بل : كم بقي منه؟ وماذا سنفعل بما بقي؟
قد لا نستطيع أن نغير الماضى، لكننا نستطيع أن نغير معنى المستقبل .
وقد لا نستطيع أن نعيش قصص الحب التي انتهت قبل أن تبدأ، لكننا نستطيع أن نفتح قلوبنا لقصة جديدة.
وقد لا نستطيع أن نحقق كل الأحلام التي ضاعت، لكن ربما نستطيع أن نحقق حلما واحدا يجعلنا نشعر أن الحياة لم تكن عبثا .
فلا أحد يعرف كم بقي له من الطريق .
ولهذا ربما تكون أجمل لحظة في العمر هي تلك اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن البداية ليست مرتبطة بعمر معين .
قد تبدأ الحياة من جديد في الأربعين ، أو الخمسين ، أو الستين…
وقد يبدأ الحب من كلمة واحدة.
وقد يبدأ الحلم من خطوة صغيرة.
وقد يبدأ الفرح من قرار بسيط:
أن نعيش لأنفسنا قليلا، بعد أن أمضينا سنوات طويلة نعيش من أجل كل شيء إلا أنفسنا.
أي عمر مضى؟
مضى الكثير…
لكن ليس كل شيء.
ما زال هناك صباح لم يأتِ بعد، ووجه ربما لم نلتق به، وطريق لم نسلكه، وحلم يمكن أن يولد من جديد ، وقلب رغم كل ما حدث ما زال قادرا على الحب .
ربما لم ينته العمر …
ربما فقط انتهى فصل منه .
والفصول لا تعني نهاية الحكاية.
فإذا كان العمر الذي مضى قد علمنا شيئا، فهو أن الوقت أغلى من أن نؤجله، وأن الحب أغلى من أن نخفيه، وأن الحياة أقصر من أن نقضيها في انتظار اللحظة المثالية.
فلا تسأل نفسك فقط: أي عمر مضى؟
اسألها أيضا:
أي عمرٍ ما زال ينتظر أن أعيشه؟
فربما…
رغم كل ما مضى…
ما زال أجمل ما في العمر لم يأت بعد .











