بقلم:لواء دكتور : اشرف مظهر ( مستشار التخطيط الاستراتيجي والتطوير المؤسسي)
في زمن تتغير فيه طبيعة الأزمات وتتطور فيه أدوات التأثير على الإنسان لم تعد الحروب تدار فقط بالأسلحة والجيوش وإنما أصبحت العقول نفسها ساحة للصراع وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي واحدة من أهم الأدوات التي يمكن من خلالها صناعة حالة من الارتباك النفسي والاجتماعي والتأثير في اتجاهات الرأي العام
ومن هنا تأتي خطورة بعض الظواهر الرقمية التي تنتشر بصورة مفاجئة وتتحول خلال فترة قصيرة إلى حديث الناس وخاصة عندما تظهر في توقيت تتزامن فيه أزمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية متلاحقة
ومن بين هذه الظواهر ما يعرف باسم قاع الهامورا وهو اسم أثار حالة من الفضول لدى البعض ودفع كثيرا من الأشخاص إلى محاولة الدخول إلى هذا العالم الافتراضي لمعرفة ما يدور بداخله دون إدراك حقيقي لطبيعة المحتوى أو الهدف من انتشاره
وهنا يجب أن نتوقف قليلا
ليس كل ما ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعي يستحق أن نبحث وراءه وليس كل ترند يستحق أن نشارك فيه وليس كل مجموعة إلكترونية تستحق أن ندخل إليها لمجرد أن الآخرين يتحدثون عنها
فالفضول في عالم الإنترنت قد يكون بداية الدخول إلى مساحة يصعب الخروج منها بسهولة وخاصة عندما يكون المحتوى قائما على الإثارة والصدمات النفسية والشائعات وصناعة الخوف والشك والتشكيك في كل شيء
العالم تغير وأدوات إدارة الأزمات تغيرت أيضا
فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على المواجهة المباشرة وإنما أصبحت حرب المعلومات والتأثير النفسي وصناعة الروايات والتلاعب بالمشاعر جزءا أساسيا من الصراع
وقد يجد الإنسان نفسه دون أن يشعر أمام محتوى يستهلك وقته ويشتت تفكيره ويؤثر في علاقاته بأسرته ومجتمعه ويجعله يعيش داخل عالم افتراضي بعيدا عن واقعه الحقيقي
وهنا تظهر أهمية الوعي
الوعي لا يعني أن نخاف من التكنولوجيا ولا أن نغلق أعيننا أمام ما يحدث حولنا ولكنه يعني أن نعرف ماذا نتابع ولماذا نتابعه ومن المستفيد من وصول هذا المحتوى إلينا
علينا أن نسأل أنفسنا دائما من المستهدف من هذا المحتوى وما الرسالة التي يحاول إيصالها ولماذا انتشر في هذا التوقيت ومن المستفيد من حالة الجدل التي صنعها
هذه الأسئلة البسيطة قد تكون في أحيان كثيرة خط الدفاع الأول أمام أي محاولة للتأثير على العقول
وأخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان أن يفقد قدرته على التفكير المستقل وأن يتحول من شخص يبحث عن الحقيقة إلى شخص يصدق كل ما يراه أمامه
لذلك فإن الابتعاد عن المحتوى المجهول ليس جبنا وإنما قد يكون نوعا من الحكمة
وعدم الدخول إلى كل قاع رقمي ليس تخلفا عن العصر وإنما حفاظ على العقل والوقت والاستقرار النفسي
نحن نريد أن نصل إلى القمة لا أن نغرق في القاع
نريد أن نستخدم التكنولوجيا لصالحنا لا أن نسمح لها باستخدامنا
نريد أن نعيش الواقع الحقيقي لا أن نستبدله بعالم افتراضي يصنع لنا الخوف والشك والقلق ويبعدنا عن أسرنا وقيمنا وأهدافنا
ولذلك فإن الرسالة الأهم اليوم هي أن ننتبه
انتبهوا لما تشاهدونه
انتبهوا لما تشاركونه
انتبهوا لما يدخل إلى بيوتكم وعقول أبنائكم
انتبهوا للشائعات وللمحتوى الذي يعتمد على الإثارة وللرسائل التي تحاول دفع الإنسان إلى التطرف أو اليأس أو العزلة أو فقدان الثقة في نفسه وفي أسرته وفي مجتمعه
ولا تجعلوا الفضول يقودكم إلى أماكن لا تعرفون حقيقتها
فالإنسان الذي يعرف هدفه لا يحتاج إلى أن يسير خلف كل موجة
والإنسان الذي يعرف طريقه لا يسمح لأحد أن يعيده إلى الخلف
وفي إدارة الأزمات هناك قاعدة مهمة وهي أن الوقاية دائما أفضل من محاولة احتواء أزمة بعد وقوعها
ولهذا فإن الوعي المجتمعي مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد وتمتد إلى الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات
علينا أن نربي أبناءنا على التفكير لا على التلقي
وعلى السؤال لا على التصديق
وعلى البحث عن الحقيقة لا على مطاردة الترند
وعلى استخدام التكنولوجيا كوسيلة للمعرفة والتقدم وليس كأداة تستهلك أعمارهم وتسرق منهم قدرتهم على التفكير والإبداع
وفي النهاية علينا أن نتذكر أن الدنيا لا تمنحنا فرصة لإعادة الأيام التي ضاعت
فلا تجعلوا ساعاتكم تضيع في عوالم لا تعرفون من صنعها ولا إلى أين تريد أن تقودكم
ارفعوا رؤوسكم ولا تنحنوا أمام الأزمات
كونوا أكثر وعيا وأكثر هدوءا وأكثر قدرة على التفكير
فقد نختلف في الرأي وقد تختلف طرقنا ولكن الهدف يجب أن يظل واحدا
أن نحمي أنفسنا وأسرنا ومجتمعنا وأن نعبر كل أزمة بوعي وثبات حتى نصل إلى بر الأمان
حفظ الله مصر وشعبها من كل سوء
وحفظ بلادنا من الفتن والشائعات وكل من يسعى إلى العبث بعقول أبنائها
وتبقى مصر دائما واقفة شامخة لا تنحني أمام الأزمات ولا تنكسر أمام التحديات
تحيا مصر حرة أبية
التوقيع/أشرف
مواطن مصري











