بقلم : ليانغ سوو لي
إعلامية صينية
يصادف عام 2026 الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر. وعلى مدى سبعة عقود، صمدت العلاقات بين البلدين أمام تقلبات المشهد الدولي، واتسعت مجالات التعاون بينهما باستمرار. واليوم، تجاوز عدد الشركات الصينية العاملة في مصر 3000 شركة، فيما تخطت الاستثمارات الصينية في مصر 10 مليارات دولار. ومع الوقوف عند هذه المحطة الجديدة، يتضح أن التعاون المصري الصيني لم يعد يقتصر على تنفيذ المشاريع التقليدية، بل بات يمتد بصورة متزايدة إلى توطين الصناعة، ونقل التكنولوجيا، والتعاون في القطاعات الناشئة.
ولم يأت هذا التحول من فراغ، بل يستند إلى مسار واضح على مستوى السياسات. ففي عام 2024، أصدر البلدان إعلانا مشتركا أكد أن توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا يمثلان أولوية للتعاون خلال السنوات المقبلة، ودعا إلى توسيع الاستثمارات الصناعية الصينية في مصر، بما يشمل تصنيع السيارات الكهربائية والمعدات الإلكترونية والألواح الشمسية، إلى جانب تقنيات الزراعة الحديثة وغيرها. ومنذ عام 2025، برز الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة وغيرها من المجالات بوصفها محركات جديدة للتعاون بين البلدين. وهكذا باتت مجالات التعاون أكثر توافقا مع احتياجات التنمية في الصين ومصر.
ويأتي الاقتصاد الرقمي في مقدمة هذه التحولات. فقد امتد التعاون الصيني المصري من شبكات الاتصالات إلى الألياف الضوئية وتصنيع الهواتف المحمولة ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي. وفي عام 2024، اكتمل إنشاء مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومي في مصر باستخدام تكنولوجيا صينية، ثم دخلت الخدمة منصة سحابية عامة تديرها شركة صينية، وانتقلت إليها حتى الآن أكثر من 200 شركة. كما استعان مطورون مصريون بأدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة عبر هذه المنصة لتطوير تطبيق قادر على التعرف إلى الهيروغليفية المصرية وترجمتها.
وهكذا لم يعد التعاون الرقمي يقتصر على إنشاء البنية التحتية، بل بدأ يمتد إلى التطبيقات العملية، بما يتيح تشكيل سلسلة أكثر تكاملا. فالتكنولوجيا التي تقدمها الشركات الصينية تلتقي مع احتياجات السوق المصرية والتطبيقات المبتكرة محليا، بما يفتح آفاقا جديدة أمام التحول الرقمي في مصر.
وفي قطاع الطاقة الجديدة، يتقدم التعاون بدوره إلى مراحل أعمق. فقد شاركت شركات صينية في مشروعات للطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين الطاقة في مصر، وبدأ التعاون يمتد تدريجيا إلى تصنيع معدات الطاقة الجديدة. وفي نهاية عام 2025، استقطبت المنطقة الاقتصادية للتعاون الصيني المصري في السويس مشروعات خضراء، وأصبحت الطاقة الجديدة أحد المجالات المستهدفة للتوسع مستقبلا. ومع التقاء التكنولوجيا الصينية بالموارد المصرية والموقع الجغرافي لمصر، ينتقل التعاون تدريجيا من تنفيذ مشروعات منفردة إلى بناء سلاسل صناعية أطول وأكثر تكاملا.
وتبرز السيارات الكهربائية بوصفها أحد المجالات الواعدة في المرحلة المقبلة. فقد أدرجت مصر تصنيع السيارات الكهربائية ضمن المجالات المهمة لتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا في إطار التعاون الصيني المصري، وتسعى إلى استقطاب مزيد من الاستثمارات الصينية في هذا القطاع. وبالنسبة إلى مصر، لا يرتبط تطوير السيارات الكهربائية بالتحول الأخضر في قطاع النقل فحسب، بل يمتد أيضا إلى تحديث صناعة السيارات ومكوناتها والصناعات المرتبطة بها. أما بالنسبة إلى الشركات الصينية، فإن موقع مصر الذي يربط بين أفريقيا والعالم العربي يوفر بدوره مساحة أوسع لتوسيع حضورها الصناعي في المنطقة.
وتوفر المنطقة الاقتصادية للتعاون الصيني المصري في السويس منصة مهمة لهذا النوع من التعاون الصناعي. وحتى نهاية عام 2025، كانت المنطقة قد استقطبت قرابة 200 شركة، بإجمالي استثمارات فعلية تجاوز 3.8 مليار دولار، وأسهمت في توفير نحو 10 آلاف فرصة عمل. وتشمل أنشطتها قطاعات عدة، من بينها الإلكترونيات والأجهزة المنزلية، كما تتجه نحو مجالات الطاقة المتجددة والرقمنة والتصنيع الذكي. ومع استمرار الشركات الصينية في توسيع عمليات الإنتاج والاستثمار في مصر، تتزايد كذلك أبعاد التعاون الصناعي بين البلدين.
وإذا كان الاقتصاد الرقمي والطاقة الجديدة يعكسان اتساع مجالات التعاون، فإن التعاون في مجال الفضاء يقدم نموذجا قائما بالفعل على بناء القدرات. ففي عام 2023، ساعدت الصين مصر في إطلاق القمر الصناعي «مصر سات-2»، كما دعمتها في إنشاء مركز لتجميع الأقمار الصناعية ودمجها واختبارها، لتصبح مصر أول دولة أفريقية تمتلك هذه القدرات المتكاملة. وشارك مهندسون وفنيون مصريون في تصميم القمر وتطويره واختباره، فيما يمكن توظيف التقنيات المرتبطة به في مجالات الزراعة واستكشاف الموارد والتخطيط الحضري.
وبالتوازي مع ذلك، يتواصل التعاون في مجال تنمية الموارد البشرية. ففي يوليو 2025، وقّع البلدان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في تنمية الموارد البشرية، وتعتزم الصين خلال الفترة من 2025 إلى 2027 توفير 2000 فرصة تدريب لمصر ضمن برامج تدريب ثنائية ومتعددة الأطراف. كما شارك مسؤولون حكوميون مصريون في زيارات إلى الصين للاطلاع على تجاربها في الاقتصاد والتنمية الصناعية والابتكار العلمي والتكنولوجي والتنمية المستدامة. ومع تلاقي التكنولوجيا والصناعة وتنمية الكوادر، يكتسب التعاون الصيني المصري جدوى أكثر استدامة.
من الاقتصاد الرقمي إلى الطاقة الجديدة، ومن السيارات الكهربائية إلى الفضاء، لا يقتصر التحول في التعاون الصيني المصري على اتساع مجالاته، بل يشمل أيضا الطريقة التي يجري بها هذا التعاون. فالمشروعات لا تزال تمثل ركيزة أساسية، لكن توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وتنمية الكوادر باتت جسورا تربط بين تنفيذ المشروع وتحقيق التنمية على المدى الطويل.
وهذا التعاون يحمل أيضا دلالة تتجاوز الإطار الثنائي. فمصر تتمتع بموقع يربط أفريقيا بالعالم العربي والأسواق العالمية، بينما تمتلك الصين منظومة صناعية متكاملة وقدرات متنامية في مجالات التصنيع والتكنولوجيا. وعندما تتكامل هذه المزايا، لا يقتصر العائد على دفع التنمية في البلدين، بل يمكن أن يفتح كذلك فرصا جديدة للتعاون الصناعي في أفريقيا والعالم العربي.
فمن تنفيذ المشاريع إلى توطين الصناعة، ومن استيراد التكنولوجيا إلى توظيفها وتطويرها، يمضي التعاون الصيني المصري نحو مستوى أعمق.
فـ«تنفيذ المشاريع» يجيب عن سؤال ما الذي يمكن أن نبنيه معا، أما «بناء القدرات» فيتعلق بما يمكن أن يبقى من هذا التعاون. ولعل هذا التحول يمثل أحد أكثر التغيرات جدارة بالترقب، مع انطلاق الشراكة الصينية المصرية نحو سبعين عاما جديدة من التعاون.











