بقلم : فايق جرادة
لا تنتهي قيمة المهرجانات السينمائية بانتهاء عروضها ولا تُقاس فقط بعدد الأفلام المشاركة أو الأسماء الحاضرة بل بما تتركه من أثر في المبدعين وما تفتحه من آفاق أمام التجارب الجديدة وما تمنحه للفن من مساحات للحوار والتجدد ومن هذا المنطلق اختتم مهرجان بردية السينمائي دورته الثالثة تاركًا وراءه تجربة شبابية غنية بالمعاني والدلالات وحضورًا فلسطينيًا مميزًا منح الفعاليات بُعدًا إنسانيًا وثقافيًا خاصًا.

كانت هذه الدورة فرصة جديدة للتأكيد على أهمية السينما بوصفها فنًا قادرًا على اكتشاف الإنسان والتعبير عن قضاياه وعلى منح الشباب مساحة لعرض أفكارهم واختبار أدواتهم وصقل تجاربهم فالمواهب لا تنضج بمعزل عن الحوار والنقد وتبادل الخبرات والمهرجانات الجادة هي التي لا تكتفي بعرض الأفلام بل تسهم في بناء بيئة فنية تشجع التجريب وتمنح المبدعين فرصة للتطور والاستمرار.
وقد تشرفت بالمشاركة عضوًا في لجنة تحكيم المهرجان إلى جانب المخرج الكبير الأستاذ مجدي أبو عميرة رئيس اللجنة والنجمة كلوديا حنا والنجمة الدكتورة ليلى المغربي والمخرج الصديق العزيز محسن صبري.
وكانت تجربة ثرية بما شهدته من نقاشات وتبادل للرؤى والخبرات، في أجواء جمعت بين التقدير الفني والقراءة النقدية للأعمال وقد أكدت لي هذه التجربة مجددًا أن السينما لا تتقدم بالمجاملات بل بالحوار الجاد واحترام اختلاف الرؤى والقدرة على قراءة العمل في سياقه الفني والإنساني بما يساعد المبدعين على اكتشاف نقاط القوة وتجاوز التحديات.
أما اليوم الفلسطيني فكان من أبرز محطات المهرجان وأكثرها خصوصية فلم تكن فلسطين مجرد مشاركة ضمن برنامج فني بل كانت حكاية إنسان وأرض وذاكرة وهوية حضرت من خلال الأفلام التي تناولت وجوهًا مختلفة من التجربة الفلسطينية ومن خلال الرسائل الإنسانية التي حملتها الأعمال والتفاعل الذي رافق عروضها وهنا تتجلى أهمية السينما الفلسطينية فهي لا تكتفي بنقل الوقائع بل تسعى إلى الوصول إلى الإنسان خلف الخبر وإلى تقديم الفلسطيني بوصفه صاحب حياة وأحلام وثقافة وإبداع لا مجرد صورة تختزلها المأساة.
لقد منحت المشاركة الفلسطينية الجمهور فرصة للتعرف إلى حكايات تستحق أن تُروى وإلى تجارب فنية تجعل من الصورة وسيلة للفهم والتواصل. فالسينما حين تكون صادقة في رؤيتها تستطيع أن تعبر الحدود دون استئذان وأن تفتح أبواب الحوار بين شعوب قد تفصل بينها المسافات لكنها تلتقي عند قيم الحرية والكرامة والحق في الحياة.
ولم يكتمل جمال اليوم الفلسطيني بالأفلام وحدها بل امتد إلى المسرح حيث أضفت فرقة الفالوجا للفنون الشعبية رونقًا خاصًا على الفعاليات مستحضرةً أصالة التراث الفولكلوري الفلسطيني وجماله لقد قدمت الفرقة أكثر من عرض فني فقد حملت إلى الجمهور ذاكرة شعب و هوية متجذرة في الأرض فالتراث الفلسطيني ليس ماضيًا محفوظًا في الذاكرة فحسب بل ثقافة حية تتجدد مع الأجيال وتؤكد أن الهوية تُصان أيضًا بالفن والأغنية والدبكة والحكاية.
وهنا أتوجه بالشكر وبخالص التقدير إلى سفارة دولة فلسطين في القاهرة وإلى سعادة السفير ناجي الناجي على الدعم والتعاون في إنجاح اليوم الفلسطيني، والحرص على تقديم المشاركة الفلسطينية بالصورة التي تليق بفلسطين وفنانيها ومبدعيها.
كما أخص الأستاذة هديل القدوة بالشكر على متابعتها واهتمامها بالتفاصيل وإسهامها وحرصها في إنجاح هذه الفعالية التي جمعت الفن بالرسالة الوطنية والإنسانية.
وتحية تقدير خاصة إلى الأستاذة عزة أبو اليزيد رئيسة مهرجان بردية السينمائي على جهودها وإصرارها وحرصها على تفاصيل العمل وعلى مواصلة تجربة تتيح للمبدعين والشباب فرصة للظهور والتعبير عن أنفسهم فإقامة المهرجانات واستمرارها يتطلبان جهدًا وإيمانًا بقيمة الثقافة والأهم أن يتحول هذا الجهد إلى مساحة حقيقية تتيح للأفلام أن تصل وللمواهب أن تنمو وللحوار الفني أن يستمر.
كما أتوجه بالشكر والتقدير إلى الإعلامية مرام سعيد على تقديمها المميز لختام الدورة واليوم الفلسطيني بما أظهرته من حضور مهني وتفاعل جميل أضفى على الفعاليات مزيدًا من الألق والانسجام.
إن ما يميز التجارب الشبابية أنها لا تأتي دائمًا بإجابات مكتملة لكنها تحمل أسئلة جديدة وطرائق مختلفة في النظر إلى العالم ومن هنا تأتي ضرورة احتضانها وتقييمها بموضوعية ومنحها ما تحتاج إليه من دعم وتوجيه وفرص فالمستقبل السينمائي لا يُصنع بالاحتفاء بالنتائج وحدها بل بالاستثمار في الإنسان الذي يقف خلف الكاميرا وفي الفكرة التي تبحث عن طريقها إلى الشاشة.
اخيرا اقول لقد أدّت لجنة التحكيم دورها بمسؤولية عالية ومهنية دقيقة وكانت حاضرة بوعيها الفني أمام كل كادر ومشهد تقرأ التفاصيل وتناقش الرؤى وتقيّم الأعمال بموضوعية واحترافية بعيدًا عن المجاملات.
وقد عكست نقاشاتها الجادة احترامًا حقيقيًا لصنّاع الأفلام وإيمانًا بأن التقييم المنصف هو جزء أصيل من دعم الإبداع والارتقاء بالتجارب السينمائية.











