كتبت : علياء الهواري
في صباح السبت 17 أكتوبر 2026، لم تجد الصحافة العبرية في إسرائيل عنوانا أهم من القاهرة. من صحيفة هآرتس اليسارية حتى القناة 14 اليمينية المقربة من بنيامين نتنياهو، تصدر المشهد المصري كل المنصات بعنوان موحد وصادم لتل أبيب التي اعتادت على حكم طويل للرئيس عبد الفتاح السيسي. الرئيس المصري الذي يحكم البلاد منذ عام 2014 أعلن من داخل الأكاديمية العسكرية المصرية أن ولايته ستنتهي في عام 2030 وأن الدستور المصري لن يمس مرة أخرى، واصفا الأمر بأنه أمر نهائي ومحسوم وغير قابل للنقاش، وهي العبارة التي نقلتها المواقع العبرية حرفيا بالعبرية “זה עניין סופי ומוכרע”.
الإعلان جاء خلال حفل تخرج دفعات جديدة من الكليات العسكرية، وهو توقيت اختارته القاهرة بعناية لتوجيه رسالة مزدوجة للداخل والخارج. السيسي البالغ من العمر 71 عاما والذي فاز بولاية ثالثة مدتها ست سنوات في انتخابات ديسمبر 2023، أوضح أن التعديلات الدستورية التي أقرت في استفتاء عام 2019 والتي مددت الولاية الرئاسية من أربع إلى ست سنوات وسمحت له بالبقاء حتى 2030، لن تتكرر. وقال بالنص الذي نقلته جيروزاليم بوست وتايمز أوف إسرائيل: “قلت إن الدستور المصري لن يمس، هذا أمر محسوم تماما ولن تتم مناقشته”. هذا التصريح أغلق الباب أمام أسابيع من التكهنات التي اشتعلت على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر تطالب بتعديل جديد يسمح له بالترشح لولاية رابعة.
الصحافة العبرية لم تتعامل مع الخبر كخبر بروتوكولي، بل كوثيقة سياسية لليوم التالي. موقع “بحدري حريديم” وصف ما حدث بالدراما في مصر، بينما اختارت صحيفة إسرائيل هيوم عنوانا تشكيكيا بامتياز: “هل سيفي بوعده؟” وذكرت قراءها بأن السيسي لو التزم فعلا فسيغادر قصر الاتحادية في سن الخامسة والسبعين، بعد أن قضى 16 عاما في الحكم، ليصبح صاحب ثاني أطول فترة حكم في تاريخ مصر الحديث بعد حسني مبارك. نفس الصحيفة ذكرت أن انتخابات 2023 التي فاز بها بنسبة تجاوزت 96% شهدت إقصاء منافسيه الحقيقيين وانخفاض نسبة المشاركة إلى 41%، وهي أرقام تهم القارئ الإسرائيلي الذي ينظر للقاهرة بمنظار الاستقرار وليس الديمقراطية.
المثير في القراءة العبرية هو تركيزها على رد فعل المعارضة المصرية الذي نقلته هآرتس بدقة. الحركة المدنية الديمقراطية، وهي أكبر ائتلاف معارض في مصر، رحبت بالتصريح ووصفته بأنه خطوة نحو احترام الدستور، لكنها طالبت بتحويله إلى التزام عملي من خلال توسيع الحيز السياسي للأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني وضمان انتقال سلمي للسلطة. هذا الاقتباس نقلته هآرتس لتوضح لجمهورها أن هناك في مصر من لا يصدق حتى الآن وأن الشارع المصري ينتظر أفعالا لا أقوالا، خاصة وأن سابقة تعديل 2019 لا تزال حاضرة في الأذهان.
لكن النقطة الأخطر التي التقطتها إسرائيل والتي تجاوزت خبر 2030 نفسه هي مشروع “مصنع القادة” الذي كشف عنه السيسي في نفس الخطاب. هنا انفردت القناة 14 بتقرير مطول بعنوان “اليوم التالي: من سيرث السيسي؟” كشفت فيه أن الرئيس المصري لا يتحدث عن التقاعد فقط، بل عن هندسة النظام من بعده. الخطة تقوم على اختيار كفاءات حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعات كبرى، وإدخالها في مسار تدريبي مغلق مدته 30 شهرا داخل الأكاديمية العسكرية، يتعلمون خلاله إدارة الدولة والاقتصاد والحوكمة، ليتم إعدادهم لشغل مناصب وزارية وبرلمانية وكمحافظين وصولا إلى الرئاسة نفسها. بل وأشار إلى تشكيل لجنة خاصة برئاسة رئيس مجلس النواب لوضع معايير اختيار هؤلاء الكوادر، مؤكدا أنه لن يسمح بتولي أي “مجرم أو خائن أو صاحب نية سيئة” للمسؤولية.
بالنسبة لصانع القرار في تل أبيب، هذه هي الرسالة الحقيقية. إسرائيل لا تبحث عن رئيس مصري مدني ليبرالي، بل تبحث عن استمرارية المؤسسة العسكرية الضامنة لمعاهدة السلام. المحللون العسكريون في إسرائيل قرأوا هذا الإعلان على أنه عسكرة ممنهجة للسياسة المصرية لعقد قادم. فمنذ صعود السيسي في 2013 بعد عزل محمد مرسي، وسع الجيش المصري نفوذه ليشمل الاقتصاد والبنية التحتية والمشاريع القومية، والآن يسعى لتأميم المستقبل السياسي أيضا عبر تخريج رئيس ووزراء من داخل الأكاديمية. وهذا بالنسبة لإسرائيل يمثل ضمانة استراتيجية بأن معاهدة كامب ديفيد ستظل محمية بيد العسكر وليس بيد تيار مدني قد يعيد النظر في العلاقة مع إسرائيل.
ولم يكن إعلان 2030 هو الوحيد الذي شغل تل أبيب اليوم، ففي نفس الخطاب أطلق السيسي إعلانا ثانيا لا يقل أهمية يتعلق بأمن الخليج. فقد طلب من البرلمان المصري عقد جلسة طارئة اليوم السبت في تمام الساعة الواحدة ظهرا لإعطائه تفويضا للدفاع عن المملكة العربية السعودية إذا طلبت الرياض ذلك رسميا، مؤكدا أن مصر لن تسمح بأي أذى يمس أمن المملكة وأنها ستتخذ كل ما يلزم من إجراءات للدفاع عنها وفقا لتوجيهات الملك سلمان وولي العهد محمد بن سلمان. وقال: “نحن لا نبحث عن دور، لكن من غير المقبول إطلاقا أن نسمع أن السعودية أو أمنها أو استقرارها يتضرر، نحن لا نتحدث عن هجوم أو شن حرب، نحن نسعى فقط للدفاع”.
هذا التطور قرأته الصحافة العبرية كتحول جيوسياسي كبير. المواقع العبرية ربطت بين هذا الطلب وبين تصاعد هجمات الحوثيين المدعومين من إيران على مطار الملك خالد الدولي في الرياض الذي استهدف 20 مرة هذا الشهر فقط، وعلى منشآت الطاقة، وهي هجمات أسفرت عن مقتل 17 شخصا وإصابة أكثر من 300، بالإضافة إلى قصف القصر الرئاسي في عدن. بالنسبة لإسرائيل، دخول مصر كقوة دفاعية عن السعودية يعني ولادة محور سني مصري خليجي جديد في مواجهة إيران، وهو محور طالما سعت إليه تل أبيب لتأمين حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وحماية إيرادات قناة السويس التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد المصري والعالمي، ولضمان عدم تهديد حركة التجارة إلى ميناء إيلات الإسرائيلي. بل إن بعض التحليلات في i24NEWS ربطت بين هذا التفويض وبين الدور الذي يمكن أن تلعبه القاهرة في أي ترتيبات أمنية مستقبلية في غزة والبحر الأحمر.
في النهاية، ما تقوله الصحافة العبرية اليوم هو أن السيسي قدم لتل أبيب صفقة طمأنة متكاملة. هو يقول للإسرائيليين أنا ذاهب في 2030 ولن أبقى للأبد، لكن الدولة التي سأتركها ستكون نسخة أكثر تنظيما وانضباطا من نفس النظام العسكري الذي تعرفونه وتثقون به. هو يغلق باب التوريث العائلي والتمديد الشخصي، ويفتح باب التوريث المؤسسي للجيش. وبالنسبة لإسرائيل التي عاشت صدمة الفوضى بعد 2011 وصعود الإخوان، فإن استقرار الحدود الجنوبية مع مصر لمدة 16 عاما إضافية عبر “مصنع قادة” عسكري، هو أفضل سيناريو ممكن، حتى لو جاء على حساب الحلم الليبرالي بانتقال ديمقراطي حقيقي في القاهرة.










