كتبت : فاطمة بدوى
قال السفير ميكولا ناهورني سفير اوكرانيا بمصر فى مقالة له بمناسبة عيد استقلال بلاده :
تحتفل أوكرانيا في 24 أغسطس 2026 بالذكرى الخامسة والثلاثين لاستعادة استقلالها. وفي ظروف السلم، كانت هذه المناسبة تشكّل، في المقام الأول، فرصة لاستحضار المسيرة التي قطعتها الدولة على مدى العقود الماضية. غير أن الأوكرانيين يحيون عيدهم الوطني الأهم، للعام الخامس على التوالي، في ظل حرب واسعة النطاق، فيما لم يعد الاستقلال بالنسبة إليهم مجرد مفهوم يرد في كتب التاريخ، بل أصبح يُقاس اليوم بقدرة الدولة على حماية حدودها، ورسم سياستها الخارجية بصورة مستقلة، وصون هويتها الوطنية، وضمان حق مواطنيها في العيش وفقاً لقناعاتهم.تعلم اللغات عبر المصادر الرقمية
وفي الوقت ذاته، تطرح التجربة الأوكرانية سؤالاً يتجاوز حدود أوروبا بكثير: هل يحق لدولة صغيرة أو متوسطة أن تختار مسارها بنفسها، من دون أن تخضعه لمصالح جار أقوى أو لأي مركز قوة خارجي؟ وبالنسبة إلى مصر والعديد من دول الجنوب العالمي، التي تسعى إلى الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي، وتنمية علاقاتها مع مختلف الشركاء، وتجنب الانجرار إلى صراعات القوى الكبرى، فإن هذا السؤال ليس نظرياً بأي حال من الأحوال.
في 24 أغسطس 1991، أقرّ البرلمان الأوكراني وثيقة إعلان استقلال أوكرانيا، لكنه ترك كلمة الفصل للشعب. وفي الاستفتاء العام الذي أُجري في الأول من ديسمبر من العام نفسه، أيد الاستقلال 90.32% من المواطنين المشاركين في التصويت. وحظي القرار بتأييد الأغلبية في جميع مناطق البلاد، ليس في كييف ولفيف فحسب، وإنما أيضاً في أوديسا وخاركيف ومقاطعتي دونيتسك ولوهانسك، فضلاً عن شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول. وتجاوزت نسبة المشاركة 84%، فيما قال ما يقرب من 29 مليون شخص «نعم» للاستقلال. ومن ثم، لم يكن الأمر مجرد تفكك إداري لإمبراطورية، ولا قراراً اتخذته دائرة ضيقة من السياسيين، بل خياراً وطنياً جامعاً، جرى تثبيته بإرادة ديمقراطية صريحة.
وخلال العقود التالية، عملت أوكرانيا على بناء علاقات مع روسيا، والدول الأوروبية، والولايات المتحدة، والصين، ودول آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. كما تخلّت طوعاً عن الترسانة النووية التي ورثتها، وأصبحت مساهماً فاعلاً في عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وطورت علاقاتها التجارية مع مختلف أنحاء العالم، ولم تسعَ يوماً إلى تقييد حق الدول الأخرى في تحديد شراكاتها بصورة مستقلة.
غير أن التصور السياسي الروسي بدأ ينظر تدريجياً إلى استقلال أوكرانيا، لا باعتباره حقاً أصيلاً لشعب مجاور، بل بوصفه خطأً تاريخياً يمكن «تصحيحه» من خلال الضغط السياسي، والإكراه الاقتصادي، وضم الأراضي، وصولاً في نهاية المطاف إلى استخدام القوة العسكرية. ولهذا السبب، فإن الحرب الروسية الأوكرانية لا تتعلق بمجرد خط مرسوم على الخريطة، بل تتمحور في جوهرها حول حق أوكرانيا في أن تكون فاعلاً مستقلاً في السياسة الدولية، لا مجرد إقليم يُقرَّر مصيره من دون موافقته.
أصبحت طائرة أنتونوف أن-225 «مريا»، أكبر طائرة نقل في تاريخ الطيران العالمي، رمزاً للعبقرية الهندسية الأوكرانية، وللخسائر التي خلّفتها الحرب، وللعزم على إعادة بناء ما دُمّر.
يؤكد استمرار المنشآت الصناعية الكبرى في العمل خلال الحرب صمود الاقتصاد الأوكراني وقدرة البلاد على رسم مستقبلها الصناعي بصورة مستقلة.
غالباً ما يصوّر الخطاب الدعائي الروسي توجه أوكرانيا نحو الاتحاد الأوروبي باعتباره انتقالاً مزعوماً من «منطقة نفوذ روسية» إلى «منطقة نفوذ غربية». غير أن هذا التفسير يسلب الأوكرانيين، منذ البداية، إرادتهم السياسية؛ إذ يفترض أن البلاد لا بد أن تتبع طرفاً ما، وأن أقصى ما يمكنها فعله هو استبدال وصيّ خارجي بآخر.
أما الموقف الأوكراني، فينطلق من رؤية مختلفة جوهرياً. فأوكرانيا لا تحارب من أجل الانتقال من إملاءات طرف إلى إملاءات طرف آخر، وإنما من أجل حقها في ألا تكون جزءاً من أي منطقة نفوذ، إذا كان المقصود بهذا المفهوم تقييد سيادتها، أو فرض تحالفاتها عليها، أو منح جهة خارجية حق النقض على قرارات شعبها.
لم تكن الأعلام الأوروبية في ميدان الاستقلال رمزاً لانتقال أوكرانيا إلى «منطقة نفوذ» جديدة، بل عبّرت عن اختيار واعٍ للديمقراطية والكرامة والحق في تقرير مستقبلها بصورة مستقلة.
وفي الوقت ذاته، لا يعني الاستقلال الوقوف على مسافة واحدة من جميع الدول والتجمعات الدولية. فلكل دولة ذات سيادة الحق في التقارب مع الأطراف التي تجمعها بها قواسم تاريخية وحضارية أوسع. وبالنسبة إلى أوكرانيا، لا يقتصر الأمر على المنافع الاقتصادية أو الاعتبارات الأمنية، بل يتصل كذلك بمنظومة من القيم تشمل الديمقراطية، وحرية التعبير، وحرية الضمير والمعتقد، والمساواة بين المواطنين أمام القانون، واحترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، والتعددية السياسية، وسيادة القانون.











