كتبت: علياء الهواري
ليست كل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية متساوية في دلالتها السياسية أو الجغرافية، وليس كل مشروع استيطاني يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مجموعة جديدة من المنازل. لكن مشروع E1 مختلف؛ لأنه لا يتعلق فقط بعدد الوحدات السكنية التي ستقام فوق التلال الواقعة شرق القدس، وإنما بموقع قادر على إعادة تشكيل الخريطة نفسها، وربط القدس المحتلة بمستوطنة معاليه أدوميم، وتغيير طبيعة الاتصال الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية.
لهذا السبب ظل اسم E1 حاضرًا على مدار أكثر من عقدين في كل نقاش جدي بشأن مستقبل الضفة الغربية وحل الدولتين. والآن، بعد أن انتقلت إسرائيل من مرحلة التخطيط والموافقات إلى طرح مناقصة لبناء 1,234 وحدة استيطانية ضمن مخطط أوسع يضم نحو 3,401 وحدة، لم يعد السؤال فقط: هل ستبني إسرائيل في E1؟ بل أصبح: ماذا سيحدث إذا تحولت الخطة إلى واقع عمراني دائم؟
منطقة E1 شرق القدس المحتلة، بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وتمتد على مساحة تقارب 12 كيلومترًا مربعًا. وقد اكتسبت المنطقة أهميتها من موقعها الذي يجعلها حلقة جغرافية حساسة بين القدس وعمق الضفة الغربية، ولذلك تنظر إليها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة باعتبارها جزءًا مهمًا من التصور الاستيطاني لما يسمى «القدس الكبرى».
الفكرة الإسرائيلية لم تبدأ بالأمس. فمنذ سنوات طويلة جرى إعداد مخططات لبناء أحياء سكنية ومناطق تجارية وصناعية وفنادق في المنطقة، لكن تنفيذ المشروع ظل يصطدم بضغوط سياسية ودولية واسعة. وكانت الحكومات الإسرائيلية تعرف أن الشروع في البناء هناك لن يكون قرارًا عمرانيًا عاديًا، وإنما خطوة تحمل تبعات مباشرة على شكل الضفة الغربية ومستقبل القدس وإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
وفي عام 2012، أعلنت إسرائيلع مخطط لبناء نحو 3 آلاف وحدة في المنطقة، وسط موجة انتقادات دولية واسعة، وفي عام 2013 ظهر رد فلسطيني رمزي لافت عندما أقام ناشطون قرية الخيام «باب الشمس» في منطقة E1
احتجاجًا على المشروع الاستيطاني ومحاولة فرض واقع جديد على الأرض، قبل أن تُخليها السلطات الإسرائيلية.
لكن التطور الأكثر أهمية جاء في أغسطس 2025، عندما دفعت الحكومة الإسرائيلية باتجاه خطة جديدة لبناء نحو 3,400 وحدة سكنية في E1. ولم يخفِ المسؤولون الإسرائيليون البعد السياسي للمشروع؛ فقد وصف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش الخطة باعتبارها خطوة تدفن عمليًا فكرة حل الدولتين.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة E1.
فالمشكلة بالنسبة للفلسطينيين والمجتمع الدولي لا تتمثل في عدد الوحدات السكنية وحده، وإنما في أن بناء تجمع استيطاني متصل بين القدس ومعاليه أدوميم يمكن أن يخلق واقعًا يصعب معه الحفاظ على اتصال جغرافي فلسطيني متماسك بين شمال الضفة وجنوبها، كما يمكن أن يزيد عزل القدس الشرقية عن بقية الضفة الغربية.
بمعنى آخر، الخطر الذي يحذر منه منتقدو المشروع هو أن تتحول الخريطة الفلسطينية إلى مناطق منفصلة يفصل بينها نطاق استيطاني وطرق وبنية تحتية إسرائيلية، بينما يصبح الحديث عن دولة فلسطينية متصلة مجرد فكرة يصعب تنفيذها على الأرض. وقد حذرت بريطانيا ودول غربية أخرى من أن المشروع يمكن أن يقسم الضفة الغربية إلى قسمين ويشكل ضربة خطيرة لإمكانية تطبيق حل الدولتين.
ولا يتعلق الأمر بالجغرافيا وحدها. فداخل منطقة E1 تعيش تجمعات بدوية فلسطينية، بينها تجمعات من بدو الجهالين، وهو ما يجعل أي توسع استيطاني في المنطقة مرتبطًا أيضًا بمخاوف تتعلق بتهجير السكان الفلسطينيين وإعادة تشكيل التركيبة السكانية للمكان
إسرائيل، في المقابل، تقدم رواية مختلفة تمامًا. فالمؤيدون للمشروع يرون أن المنطقة ضرورية لتوسيع معاليه أدوميم وربطها بالقدس، ويعتبرون وجود المستوطنة في المنطقة جزءًا من اعتبارات أمنية واستراتيجية مرتبطة بموقعها. كما تؤكد الحكومة الإسرائيلية أن لليهود الحق في السكن في أنحاء ما تعتبره «أرض إسرائيل»، وترفض الانتقادات التي ترى في المشروع خطوة باتجاه ضم فعلي للضفة الغربية.
لكن الانتقال الحالي من التخطيط إلى التنفيذ يمنح القضية وزنًا مختلفًا.
ففي 18 أغسطس 2026، طرحت وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية مناقصة لبناء 1,234 وحدة سكنية في الجزء الجنوبي من مخطط E1، في خطوة اعتُبرت انتقالًا من مرحلة الموافقات والتخطيط إلى مرحلة تسويق الأراضي تمهيدًا للبناء. ومن المقرر أن يستمر تقديم العروض حتى أكتوبر المقبل.
وهذا التطور لم يمر دون رد فعل دولي.
بريطانيا استدعت القائم بالأعمال الإسرائيلي لديها وطالبت بوقف المشروع، بينما حذر وزير الخارجية البريطاني إيد ميليباند من أن المشروع «غير مقبول ومدمر»، ولوّح باتخاذ إجراءات لاحقة. كما سبق أن حذرت دول غربية أخرى الشركات من المشاركة في مشروعات البناء داخل منطقة E1، خشية ما قد يترتب على ذلك من تبعات قانونية وسمعة تجارية.
وفي الجانب الفلسطيني، ينظر إلى الخطوة باعتبارها جزءًا من مسار أوسع لتثبيت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وفرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلًا. أما إسرائيل فتواصل تقديمها باعتبارها جزءًا من رؤيتها الأمنية والاستيطانية للمنطقة.
وبين الروايتين، يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الضغوط الدولية إيقاف E1 بعدما وصل إلى مرحلة المناقصات؟
التجربة السابقة تقول إن الضغوط السياسية تستطيع أحيانًا تأجيل البناء، لكنها لم تُنهِ المشروع. فقد بقي E1 لعقود حبيس الخطط والموافقات بسبب حساسية موقعه والاعتراض الدولي عليه، بينما استمرت البنية الاستيطانية المحيطة به في التوسع. ولذلك فإن ما يحدث الآن قد يكون أكثر أهمية من أي إعلان سابق، لأن المناقصة تعني أن الخطة باتت أقرب إلى التحول من وثيقة على الورق إلى واقع عمراني.
والأخطر أن مشروع E1 لا يأتي منفصلًا عن سياق أوسع تشهده الضفة الغربية، حيث تتواصل مشاريع الاستيطان وتوسعة الطرق والبنية التحتية المرتبطة بالمستوطنات. وعندما توضع هذه الخطوات جنبًا إلى جنب، فإن الصورة تصبح أكبر من مجرد حي استيطاني جديد؛ إنها محاولة لإعادة ترتيب الجغرافيا السياسية للضفة عبر حقائق تُبنى على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية نهائية.
ولهذا يمكن فهم سبب اختلاف التعامل الدولي مع E1 عن التعامل مع مشاريع استيطانية أخرى. فحتى الدول التي تنتقد الاستيطان عمومًا ترى في هذه المنطقة نقطة شديدة الحساسية، لأن البناء فيها قد يترك أثرًا مباشرًا على إمكانية الحفاظ على اتصال جغرافي بين الأراضي الفلسطينية.
أما القادم، فالأرجح أن E1 سيصبح واحدًا من أكثر الملفات اشتعالًا في الضفة الغربية خلال المرحلة المقبلة. وإذا استمرت المناقصات وتحولت إلى عقود ثم إلى أعمال بناء فعلية، فإن المعركة لن تكون فقط على وحدات سكنية جديدة، بل على شكل الخريطة التي ستبقى متاحة أمام أي حل سياسي مستقبلي.
وقد نشهد في المقابل ضغوطًا أوروبية ودولية أكبر، وتحركات قانونية وسياسية فلسطينية، ومحاولات لإجبار إسرائيل على تجميد التنفيذ. لكن إذا نجحت الحكومة الإسرائيلية في تثبيت المشروع على الأرض، فإن وقف البناء لاحقًا لن يكون كافيًا بالضرورة لإعادة الجغرافيا إلى ما كانت عليه.
وهنا تحديدًا تكمن قصة E1: إسرائيل لا تبني فقط منازل جديدة، وإنما تبني واقعًا جغرافيًا قد يحدد حدود الصراع وشكل التسوية قبل أن يجلس أطرافها أصلًا إلى طاولة واحدة. ومع كل شاحنة مواد بناء وكل طريق جديد وكل وحدة استيطانية تخرج إلى الوجود، تضيق المساحة بين الخريطة التي يتحدث عنها السياسيون والخريطة التي تفرضها المستوطنات على الأرض.











