كتبت: علياء الهواري
في اللحظة التي تتساقط فيها خرائط الشرق الأوسط القديمة واحدة تلو الأخرى، تبدو الساحة الفلسطينية وكأنها تدخل أخطر مراحلها السياسية منذ عقود. الحرب على غزة لم تُدمّر الأبراج والمنازل فقط، بل هزّت كذلك بنية النظام السياسي الفلسطيني بالكامل، وفتحت أبواب الأسئلة الثقيلة حول المستقبل، والقيادة، والمشروع الوطني، ومن يملك حق تمثيل الفلسطينيين في المرحلة القادمة.
وسط هذا المشهد المضطرب، يأتي المؤتمر الثامن لـ حركة فتح ليس باعتباره اجتماعًا تنظيميًا عاديًا، بل باعتباره لحظة سياسية فاصلة قد تعيد تشكيل السلطة الفلسطينية، وتحدد ملامح مرحلة ما بعد الحرب، وربما مرحلة ما بعد الرئيس محمود عباس نفسه.
فتح، الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، تجد نفسها اليوم أمام اختبار وجودي حقيقي. فالحرب الأخيرة لم تُضعف غزة فقط، بل كشفت حجم التآكل داخل مؤسسات السلطة، وأعادت طرح سؤال الشرعية بقوة، خاصة مع تصاعد الغضب الشعبي، وارتفاع شعبية المقاومة، وتراجع ثقة الشارع الفلسطيني في الخطاب السياسي التقليدي.
لهذا، لا يبدو المؤتمر القادم مجرد استحقاق داخلي، بل معركة سياسية مكتملة الأركان. معركة على القيادة، والنفوذ، وخريطة الورثة، وحتى على تعريف القضية الفلسطينية نفسها في السنوات المقبلة.
في الكواليس، تتحرك أسماء ثقيلة داخل الحركة، لكل منها مشروعه وتحالفاته ورؤيته الخاصة. فهناك من يرى أن المرحلة تحتاج إلى شخصية أمنية قادرة على ضبط المشهد الداخلي وإعادة ترتيب العلاقة مع الإقليم، بينما يعتقد آخرون أن الشارع الفلسطيني لم يعد يحتمل إعادة تدوير الوجوه القديمة، وأن أي محاولة لإنتاج نسخة جديدة من السلطة القديمة ستفشل سريعًا أمام غضب الشارع
الأزمة الأكبر أن فتح تواجه اليوم تحديًا مزدوجًا؛ فمن جهة، هناك ضغط دولي وإقليمي لإعادة تشكيل السلطة الفلسطينية بما يتناسب مع ترتيبات “اليوم التالي” في غزة، ومن جهة أخرى، هناك منافسة حقيقية مع حركة حماس التي خرجت من الحرب رغم الخسائر بوصفها لاعبًا لا يمكن تجاوزه سياسيًا أو ميدانيًا.
إسرائيل والولايات المتحدة تدفعان باتجاه سلطة فلسطينية “معدلة”، أقل صدامًا، وأكثر قدرة على إدارة الوضع الأمني، بينما ترى قطاعات واسعة من الفلسطينيين أن المشكلة لم تكن يومًا في شكل السلطة، بل في غياب مشروع وطني موحد قادر على مواجهة الاحتلال.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة المؤتمر الثامن.
لأن ما يجري داخله لن يبقى داخل القاعات المغلقة، بل سينعكس مباشرة على مستقبل الضفة الغربية، والعلاقة مع غزة، وحتى شكل الصراع مع الاحتلال في السنوات القادمة.
داخل الحركة نفسها، تبدو الانقسامات أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. تيارات متعددة تتحرك في صمت، بعضها يريد تجديد الدماء داخل المؤسسات، وبعضها يخشى خسارة النفوذ التاريخي، فيما يراقب الشارع الفلسطيني المشهد بقدر كبير من الشك.
الكثيرون داخل فتح يدركون أن الحركة لم تعد تمتلك رفاهية المناورات القديمة. فالمعادلة تغيرت بالكامل بعد الحرب. الجيل الفلسطيني الجديد لا يتحدث باللغة السياسية ذاتها، ولا يرى العالم بالمنطق التقليدي الذي حكم مرحلة أوسلو وما بعدها. هناك حالة غضب عميقة، وشعور متزايد بأن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة إعادة تعريف شاملة.
ولذلك، فإن أي مؤتمر لا ينتج مراجعة حقيقية قد يتحول إلى مجرد محاولة لتأجيل الانفجار الداخلي.
اللافت أيضًا أن المؤتمر يأتي بينما المنطقة كلها تعيش لحظة إعادة تموضع كبرى. إيران تتمدد سياسيًا وعسكريًا، والولايات المتحدة تحاول منع انفجار إقليمي شامل، وإسرائيل تواجه واحدة من أعقد أزماتها الأمنية والسياسية، بينما تتحرك بعض الدول العربية لصياغة ترتيبات جديدة للمنطقة بعد الحرب.
وسط كل ذلك، تبدو فتح وكأنها مطالبة بحسم سؤال تاريخي: هل تبقى حركة تحرر وطني؟ أم تتحول بالكامل إلى سلطة إدارية مرتبطة بالتوازنات الدولية والإقليمية؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا كما كان في السابق، بل أصبح سؤالًا وجوديًا يحدد مستقبل الحركة وموقعها داخل الوعي الفلسطيني.
الشارع الفلسطيني اليوم لا يبحث فقط عن قيادة سياسية، بل عن خطاب جديد، ومشروع جديد، ورؤية قادرة على استعادة الثقة المفقودة. فالحرب الأخيرة صنعت تحولات نفسية وسياسية عميقة، وأنتجت جيلًا أكثر حدة، وأكثر شكًا في كل البنى السياسية القائمة.
لهذا، فإن نجاح المؤتمر لن يُقاس بعدد المقاعد داخل اللجنة المركزية، ولا بحجم التحالفات التنظيمية، بل بقدرته على الإجابة عن الأسئلة المؤجلة منذ سنوات:
كيف ستتعامل فتح مع المقاومة؟
هل ستستمر العلاقة الحالية مع إسرائيل؟
هل يمكن إعادة بناء الوحدة الفلسطينية؟
من يقود المرحلة القادمة؟
وهل ما زال المشروع الوطني الفلسطيني موحدًا أصلًا؟
الواقع يقول إن الحركة تقف أمام أخطر منعطف منذ رحيل ياسر عرفات. فكل ما بعد الحرب مختلف، وكل ما قبلها لم يعد صالحًا بالصيغة نفسها.
وربما لهذا السبب تحديدًا، يراقب الجميع المؤتمر الثامن باعتباره أكثر من مجرد حدث تنظيمي؛ بل باعتباره معركة على روح فلسطين السياسية في مرحلة ما بعد النار.
فإما أن تنجح فتح في إعادة إنتاج نفسها كحركة قادرة على قيادة الفلسطينيين وسط العاصفة، وإما أن يتحول المؤتمر إلى إعلان غير مباشر عن نهاية مرحلة كاملة من التاريخ الفلسطيني، وبداية زمن سياسي جديد لا يشبه شيئًا مما عرفته المنطقة من قبل.











