كتب : محمد صوابى
قضت المحكمة الدستورية العليا، اليوم السبت، برئاسة المستشار بولس فهمي، برفض الدعوى التي طالبت بعدم دستورية بعض مواد قانون العقوبات المتعلقة بجرائم السب والقذف ضد الموظف العام أو عضو البرلمان أو أي شخص مكلف بخدمة عامة، وكذلك النص الذي ينص على تشديد العقوبة إذا تمت الإساءة عن طريق النشر في الصحف أو القنوات أو مواقع التواصل الاجتماعي.
ويعد هذا الحكم من الأحكام المهمة التي تؤكد استمرار التوازن بين حرية الرأي والتعبير من جهة، وبين حماية الأشخاص من التشهير والإساءة من جهة أخرى، خاصة إذا تعلق الأمر بمن يشغلون مناصب عامة أو مسؤوليات داخل الدولة.
وأوضحت المحكمة في أسباب حكمها أن المشرع المصري عندما وضع هذه النصوص القانونية لم يكن هدفه منع الناس من انتقاد المسؤولين أو تقييد حرية التعبير، وإنما أراد وضع حدود فاصلة بين “النقد المباح” الذي يخدم المجتمع ويكشف الأخطاء، وبين “السب والقذف” الذي يتحول إلى إهانة وتجريح وتشهير بالأشخاص دون دليل أو سند حقيقي.
وأكدت المحكمة أن العمل العام بطبيعته يجب أن يكون خاضعًا للرقابة الشعبية والإعلامية، لأن المسؤول أو الموظف العام يتعامل مع مصالح المواطنين وأموال الدولة وقرارات تؤثر على المجتمع كله، ولذلك فمن حق المواطنين والصحافة والإعلام توجيه النقد لأي مسؤول إذا كان النقد مرتبطًا بأدائه الوظيفي أو قراراته أو طريقة إدارته للعمل العام.
وأضافت المحكمة أن القانون منح مساحة واسعة للنقد المباح، لكنه وضع له شروطًا محددة حتى لا يتحول إلى وسيلة للإساءة الشخصية أو تصفية الحسابات أو نشر الشائعات. ومن أهم هذه الشروط أن يكون النقد متعلقًا بعمل الموظف العام وليس بحياته الخاصة، وأن تكون الوقائع التي يتم الحديث عنها حقيقية أو لدى صاحبها ما يدعمها، وأن يكون الهدف من النشر هو تحقيق المصلحة العامة وليس التشهير أو الإهانة.
وأشارت المحكمة إلى أن الموظف العام أو النائب أو الشخص المكلف بخدمة عامة لا يتمتع بحماية مطلقة تمنع انتقاده، لأن طبيعة منصبه تجعله تحت نظر المجتمع، ولكن في الوقت نفسه لا يجوز الاعتداء على سمعته أو إطلاق اتهامات باطلة ضده دون دليل.
كما تناول الحكم نقطة قانونية مهمة تتعلق بمفهوم “حسن النية”، حيث أوضحت المحكمة أن حسن النية وحده لا يكفي لإعفاء الشخص من المسؤولية الجنائية في جرائم السب والقذف المتعلقة بالموظفين العموميين، بل يجب أن تتوافر معه باقي الشروط التي حددها القانون حتى يصبح النقد مباحًا.
وضربت المحكمة مثالًا قانونيًا مفاده أن هناك فرقًا بين شخص يتحدث عن وقائع يعتقد صحتها ويستند إلى معلومات أو مستندات بهدف كشف فساد أو خطأ إداري، وبين شخص يطلق اتهامات أو ألفاظًا مسيئة بدعوى أنه “كان حسن النية”، رغم عدم وجود أدلة أو رغم استخدامه أسلوبًا مهينًا أو جارحًا.
وأكدت المحكمة أن المشرع المصري فرّق بوضوح بين حرية التعبير المسؤولة وبين الاعتداء على سمعة الآخرين، ولذلك وضع ضوابط دستورية وقانونية تحمي المجتمع من الفوضى الإعلامية ومن حملات التشهير التي قد تضر بالأشخاص والمؤسسات دون حق.
وأضافت المحكمة أن النصوص المطعون عليها لا تخالف مبدأ المساواة أمام القانون، لأن المركز القانوني لمن يمارس حق النقد المباح يختلف عن المركز القانوني لمن يستخدم عبارات السب والقذف أو يوجه اتهامات غير مدعومة بالأدلة.
كما شددت المحكمة على أن الدستور المصري يكفل حرية الرأي والتعبير والصحافة، لكنه في الوقت نفسه يحمي كرامة الأفراد وسمعتهم، وبالتالي فإن ممارسة حرية التعبير يجب أن تتم في إطار من المسؤولية والالتزام بالقانون.
ويعكس هذا الحكم اتجاهًا قضائيًا يؤكد أن الدولة تدعم حرية النقد وكشف الفساد ومراقبة الأداء العام، لكنها ترفض في المقابل استخدام وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي كمنصات للإهانة أو التشهير أو نشر الاتهامات دون سند قانوني أو أدلة واضحة.
وفي ختام حيثياتها، أكدت المحكمة أن النصوص الحالية تحقق التوازن المطلوب بين حق المجتمع في المعرفة والرقابة والمساءلة، وبين حق الأفراد في حماية سمعتهم وكرامتهم، ولذلك انتهت إلى رفض الدعوى واستمرار العمل بالنصوص القانونية القائمة.











