كتبت: علياء الهواري
لم تكن التسريبات الأخيرة التي فجرها موقع «واللا» العبري مجرد كواليس صحفية عابرة حول حرب «الجرف الصامد» عام 2014، بل جاءت لتضع المسمار الأخير في نعش السردية السياسية والأمنية التي طالما تغنى بها بنيامين نتنياهو. القنبلة التي ضربت الأوساط السياسية في تل أبيب لم تكن حول مجرد التواصل مع حركة حماس، بل كشفت عن وجود قناة اتصال مباشرة وموازية، أدارها رئيس الوزراء بنفسه بعيداً تماماً عن أعين المؤسسة الأمنية وأجهزة الاستخبارات التي أُبقت في العتمة.
وفقاً للتسريبات، لم يلجأ نتنياهو إلى القنوات التقليدية أو الوسطاء الإقليميين المعروفين في القاهرة والدوحة، بل استخدم رجل الأعمال الإسرائيلي شلومي فوغل كمبعوث شخصي لفتح خط هاتف مباشر مع القيادي في حماس غازي حمد. واستمرت هذه الاتصالات لعدة أسابيع في أوج العمليات العسكرية، لتتجاوز الهيكل التنفيذي لدولة إسرائيل وتصنع حالة من الذهول والارتباك داخل جهاز «الشاباك» والقيادة العسكرية، التي اكتشفت حينها أن الأوامر بالتواصل كانت تصدر مباشرة من مكتب رئيس الحكومة ورغم مطالباتها بالتوقف.
إن التحليل العميق لهذه الواقعة يعيد للواجهة مفهوم «ترسيخ الانقسام» الذي اعتمده نتنياهو كعقيدة سياسية لسنوات طويلة. لم يكن الهدف من هذه القناة السرية الوصول إلى تسويات كبرى بقدر ما كان تثبيت قواعد لعبة تضمن الفصل التام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وإضعاف السلطة الفلسطينية لمنع أي مسار قد يؤدي إلى حل الدولتين. وما يجري اليوم في الإعلام العبري من هجوم حاد يعكس حجم الصدمة؛ فقد تبين أن الرجل الذي سوّق نفسه لعقود باعتباره «السيد أمن» والمحارب الأول للكتل المسلحة، كان يقود استراتيجية احتواء قائمة على إدارة الصراع لحسابه الشخصي وبقائه السياسي، حتى لو تطلب ذلك تجاوز المؤسسة الوطنية وتهميش قيادات الأمن القومي.
تكمن الخطورة الاستراتيجية لما كشفه التقرير العبري في كونه يفسر طبيعة الأزمة الممتدة التي تعيشها إسرائيل حالياً؛ فالمسارات السرية الموازية أدت إلى تضارب الرسائل وإرباك الوسطاء الإقليميين، كما أضعفت الرقابة والتقييم الاستخباري المنهجي لصالح انطباعات وقنوات شخصية غير خاضعة للمساءلة. واليوم، بينما تشتعل التراشقات بين المعارضة والحكومة والمطالبات بتشكيل لجان تحقيق، يظهر تسريب 2014 كحجر الأساس الذي انهارت عليه المنظومة الأمنية لاحقاً، ليؤكد أن سياسة “اللعب بكل الأوراق” خلف الكواليس تحولت في النهاية إلى أزمة أمنية وسياسية شاملة تعصف بالداخل الإسرائيلي











