بقلم : ليانغ سوو لي إعلامية صينية
إن تشييد شريانٍ فولاذي في أعلى بقاع العالم وأكثرها هشاشة من الناحية البيئية لم يكن، عند طرح الفكرة، سوى أحد احتمالين في نظر الأوساط الهندسية والبيئية الدولية: إما إنجاز هندسي استثنائي، أو كارثة بيئية محققة. لكن بعد مرور عشرين عامًا، جاء خط السكك الحديدية تشينغهاي-شيتسانغ ليقدّم إجابة مختلفة، نسفت هذا التصور القائم على منطق الاختيار بين نقيضين.
غير أن ما يستحق الاهتمام حقًا ليس الكيفية التي شُيّد بها هذا الخط، بل السؤال الذي أجاب عنه، وهو سؤال حيّر العالم لسنوات طويلة: هل التنمية وحماية البيئة خياران متعارضان لا يمكن الجمع بينهما؟
لطالما سادت في كثير من الدول قناعة مفادها أن مشروعات البنية التحتية الكبرى تفرض الاختيار بين تسريع التنمية أو الحفاظ على البيئة. غير أن تجربة خط تشينغهاي-شيتسانغ خلال العقدين الماضيين أثبتت أن التحديث لا يعني بالضرورة استنزاف الطبيعة، بل يمكن، من خلال الابتكار التكنولوجي والتخطيط العلمي، تحقيق التنمية والحفاظ على البيئة في آنٍ واحد.
ولم يكن الوصول إلى هذه النتيجة أمرًا سهلًا.
فالخط يمر عبر أكثر من 550 كيلومترًا من الأراضي الصقيعية الدائمة، ويبلغ متوسط ارتفاعه أكثر من أربعة آلاف متر فوق سطح البحر، بينما لا تتجاوز نسبة الأكسجين فيه 60% مقارنة بالمناطق الواقعة عند مستوى سطح البحر. وفي مواجهة هذا التحدي الهندسي والبيئي المزدوج، لم تخفض الصين معايير الحماية البيئية، بل رفعتها. فقد اعتمد المشروع تقنيات متقدمة، مثل أنابيب الحرارة، والردميات الحجرية المهواة، وإنشاء الجسور بدلًا من الردم في أجزاء واسعة من المسار. وبلغ إجمالي أطوال هذه الجسور 156.7 كيلومترًا، أي نحو ربع المقطع الممتد فوق الأراضي الصقيعية. كما خُصص للاستثمار في حماية البيئة خلال مرحلة الإنشاء 1.54 مليار يوان (حوالي 211 مليون دولار أمريكي)، بما يعادل 4.6% من إجمالي تكلفة المشروع، وهي نسبة نادرة في مشروعات السكك الحديدية عالميًا آنذاك.
ولعل المثال الأكثر دلالة يتمثل في محمية هوه شيل الطبيعية. فمن أجل ضمان استمرار هجرة ظباء التبت، أُنشئت على امتداد الخط 33 ممرًا مخصصًا للحيوانات البرية، وظلت نسبة استخدامها 100% منذ عام 2011. وخلال مشروع توسعة مقطع غولمود-لاسا عام 2015، تقرر نقل محطة هوه شيل مسافة 8.8 كيلومترات إلى الشمال، رغم ما ترتب على ذلك من زيادة في التكلفة وتقليص في القدرة التشغيلية المستقبلية، حفاظًا على سلامة مسار هجرة ظباء التبت. واليوم، ارتفع عدد ظباء التبت في هوه شيل من أقل من 20 ألف رأس إلى أكثر من 70 ألفًا.
هذه التجربة لا تجسد منطق “التدمير أولًا ثم الإصلاح”، بل هي أقرب إلى دمج الحماية البيئية في عملية التصميم الهندسي بأكملها منذ البداية.
لكن اختزال قصة خط تشينغهاي-شيتسانغ في بعدها البيئي وحده يعني الاكتفاء بنصف الحكاية. أما النصف الآخر، فهو كيف أعاد هذا الخط رسم معادلة التنمية في هضبة تشينغهاي-شيتسانغ.
قبل تشغيله، كان الدخول إلى منطقة شيتسانغ والخروج منها يعتمد أساسًا على النقل البري والجوي، بقدرات محدودة وتكاليف مرتفعة. وقد غيّر الخط هذا الواقع جذريًا، إذ ارتفع حجم البضائع المنقولة من وإلى شيتسانغ من 361 ألف طن عام 2006 إلى 8.31 ملايين طن عام 2025، فيما تجاوز إجمالي البضائع المنقولة منذ افتتاحه 100 مليون طن حتى أبريل 2026، وانخفضت تكاليف النقل بأكثر من 60% مقارنة بالنقل البري. وأسهم تجاوز عنق الزجاجة اللوجستي في تطوير الصناعات المحلية، ووصول المنتجات المميزة للهضبة إلى الأسواق الوطنية، واستمرار ازدهار قطاع السياحة، بما أتاح لسكان المناطق الواقعة على امتداد الخط الاستفادة المباشرة من ثمار التنمية الحديثة.
غير أن التحول الأعمق كان في حركة البشر. فقد أصبحت الموارد التعليمية والطبية والمعلوماتية أكثر سهولة في الوصول، وقفز الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة شيتسانغ من 29.005 مليار يوان (حوالي 4.0 مليار دولار أمريكي) عام 2006 إلى أكثر من 300 مليار يوان (حوالي 41.4 مليار دولار أمريكي) عام 2025. وأصبح بإمكان راعٍ من مدينة ناقتشو السفر إلى مدينة لاسا والعودة في اليوم نفسه لتلقي العلاج (المسافة المباشرة بين المكانين حوالي 320 كيلومترًا)، كما بات بإمكان طالب جامعي من بكين السفر بالقطار إلى شيتسانغ للتطوع في التعليم. لقد وسّع هذا الخط آفاق الخيارات المتاحة أمام سكان الهضبة، وقرّب الفرص من الناس.
ولهذا السبب، لا تقتصر قيمة خط تشينغهاي-شيتسانغ على الصين وحدها. فالكثير من الدول النامية لا تزال تواجه معضلة التوفيق بين تسريع التنمية وحماية البيئة. وقد أثبت هذا الخط أن العلاقة بينهما ليست مفاضلة تُحسم بتقديم أحدهما على الآخر، بل معادلة يمكن تحقيق طرفيها معًا. وأهم ما يقدمه ليس تقنية بعينها، بل فلسفة تنموية تقوم على إدراج الكلفة البيئية ضمن كلفة التنمية، ودمج متطلبات الحماية البيئية في تصميم المشروعات، واستخدام معايير أعلى لدفع الابتكار التكنولوجي، بحيث تتحول حماية البيئة من قيد يُفرض على التنمية إلى قوة تدفعها.
قبل عشرين عامًا، انشغل العالم بالسؤال: هل سيكون هذا المشروع معجزة هندسية أم كارثة بيئية؟ أما اليوم، فقد قدم خط السكك الحديدية تشينغهاي-شيتسانغ إجابة مختلفة. فقد ربط هضبة الثلوج بالعالم الخارجي، وصان في الوقت نفسه بيئتها الفريدة؛ ودفع عجلة التنمية في المنطقة، وحافظ على التوازن بين الإنسان والطبيعة. وبالنسبة لدول الجنوب العالمي التي تبحث عن مساراتها الخاصة نحو التحديث، فإن القيمة الحقيقية لهذا الخط لا تكمن في كونه مشروعًا هندسيًا عالميًا فحسب، بل في كونه يقدم نموذجًا يبرهن أن التنمية وحماية البيئة يمكن أن تسيرا جنبًا إلى جنب.











