حوار: علياء الهواري
في ظل التطورات الأخيرة التي شهدها العراق، وما رافقها من فتح ملفات فساد كبرى في قطاعات حيوية، على رأسها قطاع النفط، وإعادة التدقيق في العقود والاستثمارات، واسترداد الأموال والعقارات، عاد ملف الفساد ليتصدر المشهد السياسي والاقتصادي من جديد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تمثل هذه الإجراءات بداية حقيقية لتفكيك منظومة الفساد، أم أنها تقتصر على ملاحقة أفراد داخل شبكة ما زالت تحتفظ بقوتها ونفوذها؟
فى هذا الحوار مع اللواء الدكتور محمد عاصم شنشل، الذي يرى أن العراق لا يواجه مجرد ملفات فساد، بل يواجه “دولة ظل” تشكلت داخل مؤسسات الدولة خلال أكثر من عقدين، وأن المعركة الحالية ستكون من أصعب المعارك التي يخوضها العراق منذ عام 2003.
بدايةًكيف تنظرون إلى التحركات الحكومية الأخيرة ضد كبار المتهمين بالفساد؟
ما يجري اليوم يتجاوز كونه حملة اعتقالات أو إجراءات قانونية بحق شخصيات متهمة بالفساد، بل يمثل بداية مواجهة حقيقية مع منظومة متكاملة تشكلت داخل مؤسسات الدولة خلال العقدين الماضيين. الفساد في العراق لم يعد مجرد رشوة أو اختلاس أو استغلال للنفوذ، وإنما أصبح منظومة موازية للدولة تمتلك اقتصادها الخاص، وشبكاتها المالية، وأذرعها الإدارية، وحصاناتها السياسية والإعلامية، حتى باتت قادرة في كثير من الأحيان على التأثير في القرار الحكومي نفسه.
برأيكم، ما السؤال الأهم الذي تفرضه هذه التطورات؟
السؤال الاستراتيجي ليس من هم المتهمون، وإنما: هل دخل العراق بالفعل مرحلة تفكيك شبكات الفساد، أم أنه لا يزال يلاحق أفرادًا داخل منظومة ما زالت قائمة وتعيد إنتاج نفسها؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد مستقبل هذه المواجهة.
ما الذي كشفت عنه الأحداث الأخيرة بشأن طبيعة الفساد في العراق؟
الأحداث أثبتت أن المشكلة ليست في موظف مرتشٍ أو مدير عام أو وكيل وزارة، وإنما في وجود منظومة متكاملة تنتج الفساد بصورة مستمرة. هذه المنظومة تضم مسؤولًا إداريًا يوقع العقد، وشركة واجهة تنفذ الصفقة، ومصرفًا يغطي حركة الأموال، وشبكات مالية لتهريب العملة، وغطاءً سياسيًا وبرلمانيًا يمنع المحاسبة، إضافة إلى ماكينة إعلامية تعمل على تشويه كل جهة تحاول الاقتراب من هذه الملفات، فضلًا عن وجود نفوذ داخل بعض مؤسسات الدولة يعطل إجراءات الرقابة والتحقيق.
هل يعني اعتقال شخصيات كبيرة انهيار هذه المنظومة؟
بالتأكيد لا. اعتقال شخص واحد، مهما كان موقعه، لا يعني انهيار الشبكة التي صنعته. الفارق الحقيقي لا يقاس بعدد أوامر القبض، وإنما بطبيعة الأدوات التي تعتمدها الحكومة في المواجهة. إذا بقيت المعالجة تقتصر على ملاحقة الأشخاص، فإن الشبكات ستعيد إنتاج نفسها، أما إذا استهدفت البنية التي تحمي الفساد فسيكون الوضع مختلفًا.
وما الذي يميز الأدوات الحكومية الجديدة في رأيكم؟
هناك تحول مهم بدأ يظهر في طريقة التعامل مع الملف. فبدلًا من انتظار وقوع الجريمة ثم ملاحقة مرتكبيها، بدأت الحكومة تتحدث عن مراجعة العقود السابقة، وإيقاف المشاريع التي تحيط بها شبهات فساد، وإعادة تدقيق كلف المشاريع، ومراقبة العقود قبل تنفيذها، إضافة إلى إنشاء آليات عليا للتنسيق بين الأجهزة الرقابية.
هذا التحول يمثل انتقالًا من الرقابة اللاحقة إلى الرقابة الوقائية، وهو ما يعرف عالميًا باستراتيجية “تجفيف منابع الفساد”، وهي أكثر فاعلية من الاكتفاء بملاحقة نتائجه بعد وقوعها.
وصفتم ما يجري بأنه مواجهة مع “دولة موازية”.. ماذا تقصدون بذلك؟
الوصف الأدق هو أن الدولة الرسمية تواجه بالفعل دولة موازية تمتلك موارد مالية ضخمة، وقدرة على شراء الولاءات، ونفوذًا داخل المؤسسات، وأدوات ضغط سياسية، وامتدادات اقتصادية واستثمارية، وعلاقات خارجية، فضلًا عن قدرتها على تعبئة الرأي العام عندما تشعر بأن مصالحها أصبحت مهددة
لهذا فإن هذه المواجهة لا يمكن أن تُحسم بقرار إداري أو بحملة إعلامية، وإنما تحتاج إلى مشروع دولة متكامل يعيد بناء الهيكل التنظيمي للمؤسسات ويغلق المنافذ التي تسللت منها شبكات الفساد.
أين تتركز أخطر بؤر الفساد التي ينبغي أن تستهدفها الحكومة؟
الخبراء يجمعون على أن أخطر ملفات الفساد ليست الرشاوى الصغيرة، وإنما الملفات الكبرى التي ابتلعت مئات المليارات من أموال الدولة. نتحدث هنا عن تضخم كلف المشاريع، والعقود الحكومية التي تعدل بعد إحالتها، والاستثمارات التي منحت بشروط غير عادلة، وتهريب العملة، واستغلال الأراضي والعقارات العامة، وتهريب الموارد الطبيعية، والمنافذ الحدودية، والعقود النفطية الكبرى.
هذه الملفات هي التي صنعت الثروات العملاقة، وإذا كانت الحكومة جادة في تفكيك البنية الحقيقية للفساد، فيجب أن تكون هذه القضايا في صدارة أولوياتها.
هل تتوقعون أن تواجه الحكومة مقاومة خلال هذه المعركة؟
هذا أمر متوقع جدًا. فكلما اقتربت الحكومة من مراكز النفوذ، ازدادت أدوات المقاومة. ومن غير المستبعد أن نشهد خلال المرحلة المقبلة محاولات لإعادة توصيف ما يجري على أنه استهداف سياسي، أو تصفية حسابات، أو استهداف لمكون اجتماعي، أو حتى ربطه بالصراع الانتخابي.
وهنا يكمن الاختبار الأصعب، لأن شبكات الفساد لا تدافع عن نفسها بالوسائل القانونية فقط، وإنما تستخدم المال، والإعلام، والعلاقات، والنفوذ، بهدف إرباك أي مشروع إصلاحي وإضعاف الثقة به.
ما أهمية التنسيق بين مؤسسات الدولة في هذه المرحلة؟
التنسيق بين الحكومة التنفيذية، والسلطة القضائية، وهيئة النزاهة، يمثل اليوم الركيزة الأساسية لاستمرار هذا المسار. فنجاح أي حملة لمكافحة الفساد يتطلب تكاملًا بين جميع المؤسسات، بعيدًا عن الضغوط السياسية أو المصالح الضيقة.
كما أن استرداد الأموال المنهوبة لا يعني فقط إعادة ما سُرق، بل ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في تمويل المشاريع، وتقليل الحاجة إلى الاقتراض، ودعم الموازنة العامة، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتحسين التصنيف المالي للعراق، وتقليص حجم الاقتصاد الموازي.
أخيرًا كيف يمكن الحكم على نجاح هذه المعركة؟
النجاح الحقيقي لن يقاس بعدد المعتقلين، ولا بحجم الأموال المضبوطة فقط، وإنما بالإجابة عن سؤال واحد: هل ستتغير البيئة التي أنتجت الفساد؟
حكومة علي الزيدي لا تواجه مجرد ملفات فساد، وإنما تواجه إرثًا عمره أكثر من عشرين عامًا. ومعركة تفكيك شبكات الفساد ليست حملة أمنية مؤقتة، بل مشروع وطني طويل الأمد يحتاج إلى إرادة سياسية ثابتة، وقضاء مستقل، ورقابة مهنية محترفة، ودعم شعبي واسع.
إذا نجح هذا المشروع، فلن يكون الإنجاز الحقيقي هو اعتقال عدد من الفاسدين، بل استعادة الدولة من قبضة الدولة الموازية. إنها معركة قد تكون الأصعب منذ عام 2003، لكنها قد تكون أيضًا الأكثر حسماً في رسم مستقبل العراق، وإعادة بناء مؤسساته على أسس من النزاهة وسيادة القانون. فالعراق، رغم كل ما مر به من أزمات، يبقى وطنًا قادرًا على النهوض، لأنه يمرض… لكنه لا يموت.











