سكاي نيوز عربية – أبوظبي
تضع الخسائر التي تكبدها الجمهوريون في انتخابات التجديد النصفي الأميركية ملفات الشرق الأوسط أمام حسابات جديدة في واشنطن، بعدما أظهرت النتائج الأولية تقدماً ديمقراطياً يهدد قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة سياساته بالغطاء البرلماني الذي تمتع به خلال العامين الماضيين.
ومن الحرب مع إيران إلى الدعم العسكري لإسرائيل وأمن الخليج، يبرز سؤال يتجاوز توزيع المقاعد في الكونغرس: هل تدفع الضغوط الداخلية ترامب نحو تسويات تخفض كلفة المواجهات، أم تزيد تمسكه بخياراته العسكرية بحثاً عن نتائج تعيد تثبيت نفوذه؟
ولا تقدم الانتخابات وحدها إجابة حاسمة. فالرئيس يحتفظ بصلاحيات واسعة في إدارة السياسة الخارجية، بينما يملك الكونغرس أدوات للتأثير في التمويل والتشريعات والرقابة. وهذه المعادلة تجعل تشديد القيود على الإدارة احتمالاً أقرب من حدوث انقلاب فوري في السياسة الأميركية تجاه المنطقة.
1. إيران.. ضغوط أكبر لإنهاء الحرب
يتصدر الملف الإيراني قائمة القضايا التي قد تتأثر بالتوازن الجديد، خصوصاً مع ارتباط الحرب بتكاليف اقتصادية أثقلت الداخل الأميركي.
وقبل الاقتراع، أفادت رويترز، في 31 أكتوبر، بأن مفاوضين إيرانيين أجروا محادثات مع وسطاء قطريين، وسط مخاوف إقليمية من استئناف الضربات الأميركية بعد الانتخابات.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو آنذاك إن ترامب لم يحسم قرار شن ضربات جديدة، وإنه يفضل الحل الدبلوماسي.
وقد يمنح تقدم الديمقراطيين معارضي استمرار الحرب أدوات أقوى لمساءلة الإدارة ومراجعة طلبات التمويل. لكن الضغط البرلماني لا يساوي وقفاً تلقائياً للعمليات؛ إذ تشير قراءة لمعهد “تشاتام هاوس” إلى أن محاولات تقييد استخدام القوة تواجه عقبات سياسية وقانونية، وأن تأثيرها قد يظهر تدريجياً عبر الكلفة والتمويل، لا بقرار فوري ينهي المواجهة.
. إسرائيل وغزة.. الدعم تحت تدقيق أشد
قد يصبح الدعم الأميركي لإسرائيل أكثر تعرضاً للنقاش والاشتراطات، مع اتساع الاعتراض داخل القاعدة الديمقراطية على السياسات الإسرائيلية.
وأظهر استطلاع لمجلس شيكاغو للشؤون العالمية، أُجري في يوليو ونُشر في أكتوبر، أن 72 بالمئة من الديمقراطيين يؤيدون خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل أو وقفها. وهذه النتيجة تعكس مزاجاً داخل الحزب، لكنها لا تعني وجود اتفاق بين نوابه على سياسة موحدة.
وفي تطور منفصل سبق ظهور النتائج، قال ترامب يوم الاقتراع إن الولايات المتحدة ستوقف مساعدات سنوية لإسرائيل بقيمة 4 مليارات دولار في 2027، مع استمرار بيعها السلاح، بحسب أسوشيتد برس. ولذلك لا يصح تقديم هذا الإعلان باعتباره نتيجة لفوز الديمقراطيين.
أما في غزة، فقد تتزايد الضغوط بشأن المساعدات الإنسانية واستخدام الأسلحة الأميركية، لكن تغيير المسار يتطلب قرارات تنفيذية وتقدماً في التفاوض، ولا ينتج تلقائياً عن تبدل الأغلبية في الكونغرس. وكانت رويترز قد رصدت تعثر جهود التسوية، واحتمال تصاعد المطالب الديمقراطية بتقييد المساعدات وإمدادات السلاح.
3. الخليج.. أمن المنطقة قبل حسابات الحزبين
بالنسبة إلى دول الخليج، يبقى الاختبار المباشر هو اتجاه المواجهة مع إيران، لا هوية الحزب الفائز وحدها.
فالمخاوف من تجدد الضربات ترتبط باحتمالات اتساع الرد الإيراني، بعدما هددت طهران باستهداف مصالح أميركية وإسرائيلية في دول مجاورة عند تعرضها لهجمات جديدة، وفق رويترز. وفي المقابل، تؤكد المحادثات التي استضافتها قطر استمرار المسار الدبلوماسي رغم التهديدات.
ومن هذه المعطيات، قد تزداد أهمية الوساطات الإقليمية لتقريب مواقف الطرفين وتجنب مواجهة أوسع. لكن افتراض أن ضعف ترامب داخلياً سيجعله بالضرورة أكثر استعداداً للتنازل يظل قراءة غير مضمونة؛ فالضغط السياسي يمكن أن يدفع إلى التفاوض، أو إلى التشدد.
. صفقات السلاح.. وزن أكبر للكونغرس
قد يكون أثر الانتخابات أوضح في صفقات التسليح والمساعدات العسكرية، حيث يمتلك الكونغرس آليات للمراجعة والاعتراض والتشريع.
وتوضح خدمة أبحاث الكونغرس أن الاعتراضات البرلمانية تستطيع التأثير في توقيت بعض الصفقات ومكوناتها، وأن منعها أو تعديلها بصورة ملزمة يتطلب إجراءات تشريعية، لا مجرد إعلان معارضة من لجنة أو مجموعة نواب.
وبناءً على ذلك، قد تواجه بعض الصفقات تدقيقاً أطول أو مطالب بضمانات إضافية. لكن تبدل الأغلبية لا يعني إلغاء العقود تلقائياً، كما لا يجعل موافقة البيت الأبيض وحدها ضمانة لمرور كل صفقة دون خلاف.
5. الطاقة.. مسار الحرب أهم من نتيجة الاقتراع
لا تضمن المكاسب الديمقراطية انخفاضاً سريعاً في مخاطر الطاقة أو كلفة الحرب.
فقد أظهر استطلاع مجلس شيكاغو أن غالبية واسعة من الأميركيين ربطت الحرب مع إيران بارتفاع تكاليف المعيشة. ويعني ذلك، تحليلياً، استمرار الضغط الداخلي على الإدارة لتخفيف الأعباء الاقتصادية للمواجهة.
لكن أثر هذا الضغط على المنطقة والأسواق سيعتمد على القرارات اللاحقة: فرص التسوية، واحتمالات تجدد الهجمات، ومدى استقرار إمدادات الطاقة. وقد وثقت رويترز بالفعل اضطراب الإمدادات العالمية نتيجة الحرب؛ لذلك لا تكفي نتيجة انتخابية، بمفردها، لإزالة أسباب القلق.
واشنطن أكثر انقساماً.. لا سياسة جديدة مكتملة
لن تنتقل السلطات إلى الأعضاء المنتخبين فور إعلان النتائج؛ إذ تبدأ ولاياتهم في 3 يناير 2027، ما يفصل بين الأثر السياسي المباشر للاقتراع والتغير المؤسسي في الكونغرس.
والقراءة الأقرب أن الشرق الأوسط قد يواجه واشنطن أكثر انقساماً بشأن كلفة تحركاتها الخارجية، مع رئيس يحتفظ بأدوات المبادرة وخصوم يسعون إلى تشديد الرقابة عليه. أما تحول هذا الانقسام إلى تهدئة أو تصعيد، فسيتوقف على كيفية استخدام الطرفين صلاحياتهما، لا على حصيلة المقاعد وحدها.
فالاختبار الإقليمي الحقيقي ليس مقدار ما خسره ترامب في صناديق الاقتراع، بل ما إذا كانت تلك الخسائر ستغير قرارات الحرب والتفاوض في البيت الأبيض.











