إيناس النحاس من «الصحة النفسية وعلاج الإدمان» إلى رئاسة هيئة التأمين الصحي.. هل استوفت إجراءات النقل جميع الضوابط القانونية؟ وأين تقف معايير الكفاءة وتكافؤ الفرص؟
تحقيق : مصطفى مكي
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن تطوير الجهاز الإداري، وترسيخ مبادئ الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص، تبرز تساؤلات تستحق الفحص والتدقيق بشأن القرارات الإدارية التي تتعلق بالدرجات المالية الممولة، وآليات نقل العاملين بين الجهات الحكومية، ومدى ارتباط هذه القرارات باحتياجات العمل الفعلية، لا باعتبارات الأشخاص أو المواقع الوظيفية.

ومن هنا، يفتح القرار رقم ٦٣ لسنة ٢٠٢٦ الصادر عن رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي ملفًا يستحق المراجعة الدقيقة، بعدما تضمن نقل الدكتورة إيناس مصطفى النحاس سيد علي، وفق البيانات الواردة بالمستند المصور، من وزارة الصحة والسكان، وتحديدًا الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، للعمل بالهيئة العامة للتأمين الصحي – رئاسة الهيئة، على الدرجة الأولى بالمجموعة النوعية لوظائف التمريض العالي.
لسنا أمام حكم مسبق على سلامة القرار أو عدم سلامته، ولا أمام إدانة لشخص بعينه، وإنما أمام مستند رسمي يطرح أسئلة جوهرية تتعلق بمصدر الدرجة المالية، وشروط شغلها، ومدى توافقها مع الاحتياجات الفعلية للجهة المنقول إليها، وطبيعة المهام التي ستتولاها الموظفة، والإجراءات التي سبقت صدور القرار.
فحين يتعلق الأمر بدرجة مالية ممولة من موازنة جهة عامة، فإن حق المجتمع في معرفة سلامة الإجراءات، وحق العاملين في تكافؤ الفرص، وواجب الجهات الرقابية في التحقق من تطبيق القواعد، كلها أمور لا يجوز تجاهلها.
القرار رقم ٦٣ لسنة ٢٠٢٦.. ماذا تقول الأوراق؟
بحسب صورة القرار المتداولة محل هذا التحقيق، استند رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي إلى عدد من القرارات والموافقات الإدارية، من بينها موافقات لجان الموارد البشرية، وموافقة وزارة المالية على إعادة تمويل درجة أولى بالمجموعة النوعية لوظائف التمريض العالي من موازنة الهيئة.
وتنص المادة الأولى من القرار على نقل الدكتورة إيناس مصطفى النحاس سيد علي للعمل بالهيئة العامة للتأمين الصحي – رئاسة الهيئة، على الدرجة الأولى بالمجموعة النوعية لوظائف التمريض العالي، اعتبارًا من ٢١ أبريل ٢٠٢٦، وهو التاريخ الذي يورده القرار باعتباره تاريخ موافقة وزارة المالية.
كما تتناول المادة الثانية إخطار وزارة الصحة والسكان بصورة من القرار لموافاتها بما يفيد إخلاء الطرف حتى تاريخ النقل، فيما تنص المادة الثالثة على العمل بالقرار اعتبارًا من تاريخه، وتلزم المادة الرابعة الجهات المختصة بتنفيذه، كل فيما يخصه.
وتشير ديباجة القرار، وفق الصورة المتاحة، إلى موافقة لجنة الموارد البشرية بالهيئة بتاريخ ١٨ يناير ٢٠٢٦، وإلى موافقة لجنة الموارد البشرية بوزارة الصحة والسكان بتاريخ ١٥ يناير ٢٠٢٥، فضلًا عن الإشارة إلى موافقة وزارة المالية على إعادة تمويل الدرجة.
وهنا تبدأ الأسئلة التي تستوجب إجابات موثقة:
هل كانت الدرجة المالية شاغرة وممولة وفقًا للقواعد المنظمة؟ وما المستندات التي استندت إليها الجهات المختصة في تحديد مدى ملاءمة الدرجة للموظفة؟ وهل عكست الموافقات الإدارية احتياجًا حقيقيًا للعمل بالهيئة، أم اقتصر الأمر على استكمال الإجراءات الورقية؟
هذه الأسئلة لا تحسمها صورة القرار وحدها، وإنما تحسمها ملفات الخدمة، ومذكرات العرض، ومحاضر اللجان، وبيانات الموازنة،
وبطاقات الوصف الوظيفي.
الدرجة المالية ليست امتيازًا شخصيًا.. فمن المسؤول عن التأكد من سلامة تخصيصها؟
من أهم النقاط التي تستحق الفحص ما ورد في ديباجة القرار بشأن إعادة تمويل درجة أولى بالمجموعة النوعية لوظائف التمريض العالي من موازنة الهيئة العامة للتأمين الصحي.
فإعادة تمويل درجة مالية أو استخدامها في إجراءات نقل موظف ليست، في حد ذاتها، دليلًا على وجود مخالفة. لكن سلامة الإجراء تتطلب التحقق من توافر شروط شغل الوظيفة، ووجود احتياج فعلي إليها، وموافقة الجهات المختصة وفق القواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها.
ومن ثم، فإن السؤال الأساسي الذي نضعه أمام الجهات الرقابية هو: ما الأساس الوظيفي والمالي الذي استندت إليه إجراءات توفير الدرجة وإتمام النقل؟
وهل توجد مذكرة تفصيلية توضح احتياجات الهيئة، ومبررات النقل، ومدى توافق الدرجة مع طبيعة العمل المستهدف؟ وهل جرت مراجعة ملف الخدمة والمؤهلات والاشتراطات الوظيفية مراجعة كاملة قبل إصدار القرار؟
كما يثور تساؤل آخر بشأن مدى وجود درجات ممولة مماثلة أو فرص وظيفية كان من الممكن شغلها وفق احتياجات الهيئة وأولوياتها، وما إذا كانت الإجراءات قد راعت المساواة بين العاملين وتكافؤ الفرص.

إن وجود موظفين آخرين قد يرون أنفسهم أحق بفرصة وظيفية لا يكفي وحده لإثبات وقوع مخالفة، لكنه يجعل من الضروري توضيح المعايير التي جرى على أساسها اتخاذ القرار، ومدى موضوعية تطبيقها على الحالات المتشابهة.
فالمعيار الحاكم يجب أن يكون القانون، واحتياجات العمل، وشروط شغل الوظيفة، لا النفوذ أو العلاقات الشخصية إن ثبت تدخل أي منهما بالمخالفة للقواعد.
من الوظيفة التخصصية إلى الموقع الإداري.. هل تتوافق المؤهلات مع طبيعة المسؤوليات؟
ومن بين النقاط التي تحتاج إلى توضيح، أن القرار محل الفحص يحدد الدرجة المنقول إليها باعتبارها درجة أولى بالمجموعة النوعية لوظائف التمريض العالي، بينما تتعلق التساؤلات المطروحة بشأن الدكتورة إيناس النحاس بموقعها ومسؤولياتها الإدارية في ملف الموارد البشرية داخل الهيئة.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين أساسيين:
الأول، أن النقل إلى وظيفة أو درجة تخصصية يجب أن يخضع لشروط شغلها والوصف الوظيفي الخاص بها.
والثاني، أن شغل منصب إداري أو إشرافي له قواعد واشتراطات قد تختلف بحسب طبيعة المنصب، والهيكل التنظيمي للجهة، وما إذا كان المنصب وظيفة قيادية أو إشرافية أو تكليفًا بمهام محددة.
لذلك، فإن مجرد انتماء الدرجة إلى المجموعة النوعية لوظائف التمريض العالي لا يثبت وحده عدم قانونية إسناد مهام إدارية إلى صاحبتها، كما لا يثبت تلقائيًا استيفاء جميع شروط شغل أي منصب إداري.
والفيصل هنا هو الاطلاع على المؤهل العلمي، وملف الخدمة، وبطاقة الوصف الوظيفي، وقرار شغل المنصب الإداري، وشروطه المعتمدة، ومدى توافقها مع الحالة محل الفحص.
ومن حق الجهات الرقابية أن تتحقق من هذه العناصر مجتمعة، وأن تحدد ما إذا كان هناك توافق بين المؤهلات والخبرة والدرجة الوظيفية والمسؤوليات الفعلية.
فإدارة الموارد البشرية ليست مجرد موقع على الهيكل التنظيمي، بل ملف مؤثر في حياة العاملين، وحقوقهم، ومساراتهم المهنية، وتوزيع الفرص داخل المؤسسة.
هل استُخدمت الصلاحيات الإدارية في حدودها القانونية؟
تتردد تساؤلات بشأن ما إذا كانت إجراءات النقل وتوفير الدرجة المالية قد تأثرت بتدخلات أو ضغوط إدارية على قيادات الهيئة، سواء خلال فترة رئاسة سابقة أو في ظل الإدارة الحالية.
وهذه نقطة بالغة الأهمية، لكنها لا يجوز أن تتحول إلى اتهام جازم دون دليل.
ولذلك، فإن المطلوب ليس إطلاق أحكام على النوايا، وإنما فحص تسلسل الإجراءات منذ بداية طلب النقل، مرورًا بمذكرات العرض ومحاضر لجان الموارد البشرية، وصولًا إلى موافقة وزارة المالية والقرار النهائي.
كما يتعين التحقق من الجهة التي بادرت بطلب النقل، وأسباب الطلب، وتاريخ كل موافقة، والجهات التي أعدت المذكرات الفنية والمالية، ومدى استقلال التقييم الوظيفي عن أي اعتبارات شخصية.
وإذا كشفت المستندات عن تدخل غير مشروع أو استغلال للصلاحيات أو تجاوز للاختصاصات، فإن الأمر يستوجب اتخاذ الإجراءات القانونية التي تقررها الجهات المختصة، وفقًا لما تسفر عنه التحقيقات.
أما إذا ثبتت سلامة الإجراءات وتوافقها مع القواعد، فمن الواجب إعلان ذلك بما يوضح الحقائق ويضع حدًا للتكهنات.
فالمساءلة لا تعني الإدانة المسبقة، كما أن المناصب لا تعني الحصانة من الفحص والمراجعة.
«أنا الرئيسة هنا».. هل توجد وقائع موثقة وراء ما يتردد؟
ومن بين ما يثار في سياق التساؤلات المطروحة بشأن أسلوب إدارة ملف الموارد البشرية، ادعاءات عن استخدام لغة تنطوي على الاستقواء بالمنصب أو الإيحاء بأن صاحبة المنصب فوق المساءلة.
غير أن هذه الأقوال، ما لم تكن موثقة بتسجيلات صحيحة أو شهادات محددة أو مستندات يمكن التحقق منها، تظل ادعاءات تحتاج إلى الفحص، ولا يصح تقديمها باعتبارها وقائع ثابتة.
وإذا كانت هناك شكاوى رسمية من موظفين بشأن تجاوزات إدارية أو ضغوط أو إساءة استخدام للصلاحيات، فإن المطلوب مراجعة الشكاوى وسماع أطرافها والتحقق من أدلتها، دون استبعاد أي طرف أو افتراض صحة الاتهامات قبل استكمال التحقيق.
فالمنصب الإداري، مهما ارتفعت درجته، يظل مسؤولية مقيدة بالقانون، ولا يمنح صاحبه حق تجاوز قواعد العمل أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
كما أن الادعاءات المتداولة بشأن الاستناد إلى صلات شخصية أو عائلية بالقيادات لا يجوز اعتمادها حقيقةً دون دليل موثوق. والمعيار الذي ينبغي أن يُحاسب عليه أي مسؤول هو سلامة قراراته ومدى التزامه بالقواعد، وليس ما يُنسب إليه من أقوال غير موثقة.
قانون الخدمة المدنية.. ما الذي يجب مراجعته؟
يضع قانون الخدمة المدنية رقم ٨١ لسنة ٢٠١٦ ولائحته التنفيذية إطارًا لتنظيم شؤون العاملين بالجهات التي تسري عليها أحكامه، بما يشمل قواعد النقل وشروط شغل الوظائف. وتتناول المواد من ٩٨ إلى ١٠٢ من اللائحة التنفيذية أحكام النقل، ومتطلبات الوظيفة الشاغرة والممولة، واستيفاء شروط شغلها، وموافقات الجهات المعنية.
https://www.elmodawanaeg.com/قرار-رئيس-مجلس-الوزراءرقم-1216-لسنة-2017-بإصدار/
ومع ذلك، فإن تحديد النصوص الواجبة التطبيغق على الحالة محل التحقيق يستلزم مراجعة قانون إنشاء الهيئة ولوائح العاملين بها، وأي قواعد خاصة تحكم شؤونها الوظيفية، إلى جانب التحقق من طبيعة الوظيفة محل النقل والمنصب الإداري الذي تتعلق به التساؤلات.
وبناءً عليه، فإن الفحص القانوني ينبغي أن يركز على الأسئلة التالية:
هل استوفت الموظفة شروط شغل الدرجة والوظيفة المنقول إليها وفق القواعد الواجبة التطبيق؟
هل كانت الدرجة شاغرة وممولة على النحو الذي يتطلبه القانون واللوائح المعمول بها؟
هل صدرت موافقات لجنتي الموارد البشرية والجهات المالية والإدارية المختصة وفق الإجراءات الصحيحة؟
هل تتوافق الدرجة والمجموعة النوعية والمؤهل والخبرة مع الوظيفة الفعلية التي ستشغلها الموظفة؟
هل يتطلب المنصب الإداري محل التساؤلات شروطًا إضافية؟ وهل صدر قرار صحيح بإسناد مهامه؟
هل توجد مستندات تثبت تدخلًا غير مشروع أو محاباة أو تجاوزًا للاختصاصات؟
وهل جرى التعامل مع الحالات المماثلة وفق معايير واحدة، دون تمييز أو استثناء غير مبرر؟
الإجابة الموثقة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت الإجراءات سليمة، أم أن هناك أوجه قصور أو مخالفات تستوجب المساءلة.
إلى الدكتور تامر مدكور.. المطلوب فحص المستندات وإعلان ما تسفر عنه المراجعة نتوجه إلى الدكتور تامر مدكور، رئيس الهيئة العامة للتأمين الصحي، بطلب فحص القرار والملف الوظيفي والمالي المرتبط به، ومراجعة جميع الإجراءات التي سبقت صدوره، مع التحقق من مدى سلامة الموافقات وتوافقها مع اللوائح المنظمة.
كما نطالب بمراجعة الشكاوى والمستندات التي يقال إنها قُدمت إلى الجهات المختصة، والتحقق من مضمونها، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة إذا ثبتت مخالفة.
إن الثقة في المؤسسات العامة لا تتحقق بمجرد إصدار القرارات، وإنما تتحقق أيضًا بقدرتها على مراجعة أعمالها، وتوضيح أسباب قراراتها، والتعامل الجاد مع الشكاوى، وإعلان نتائج الفحص في الحدود التي يسمح بها القانون.
وإذا كانت الإجراءات سليمة، فإن توضيح ذلك حق للهيئة وللموظفة المعنية. وإذا ثبت وجود خلل، فإن تصحيحه ومحاسبة المسؤول عنه وفق القانون يمثلان حماية للمؤسسة والعاملين بها معًا.
إلى وزير الصحة ورئيس مجلس الوزراء والجهات الرقابية.. لا حصانة لقرار من المراجعة
نضع هذه التساؤلات أمام الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، والدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والجهات الرقابية المختصة، كلٌّ في حدود اختصاصه، مطالبين بفحص المستندات ذات الصلة والتحقق من سلامة الإجراءات.
كما ندعو الجهات الرقابية المعنية إلى مراجعة مدى الالتزام بقواعد الوظائف والدرجات المالية، وفحص أي أدلة موثقة على وجود محاباة أو استغلال للصلاحيات أو إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص، إن وجدت.
ولا يستهدف هذا التحقيق إصدار حكم مسبق على أي مسؤول، بل يهدف إلى طرح أسئلة تستحق الإجابة، انطلاقًا من حق المجتمع في صون المال العام، وحق العاملين في تطبيق القواعد بعدالة، وحق كل طرف في عرض موقفه والرد على ما يثار بشأنه.
إن الدولة التي تسعى إلى تطوير مؤسساتها تحتاج إلى قواعد واضحة، وإجراءات قابلة للمراجعة، ومسؤولين يدركون أن السلطة الوظيفية أمانة وليست امتيازًا شخصيًا.
حق الرد مكفول.. والوثائق هي الفيصل وإعمالًا للمعايير المهنية، يظل حق الرد مكفولًا للدكتورة إيناس مصطفى النحاس، ولرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتأمين الصحي، ولوزارة الصحة والسكان، ولسائر الجهات المعنية، لتقديم ما لديهم من مستندات أو إيضاحات بشأن إجراءات النقل والدرجة المالية وطبيعة المسؤوليات الوظيفية.
كما نؤكد أن صورة القرار وحدها لا تكفي لإثبات وقوع فساد أو محاباة أو استغلال نفوذ، وأن أي نتيجة نهائية يجب أن تستند إلى مستندات أصلية وفحص قانوني وإداري مكتمل.
الخلاصة: لسنا أمام إدانة مسبقة، بل أمام قرار يستحق أن تُراجع أوراقه كاملة. فمن حق كل موظف أن يعرف أن الفرص الوظيفية تُدار بمعايير عادلة، ومن واجب كل مسؤول أن يوضح الأساس الذي اتُّخذت القرارات بناءً عليه، ومن واجب الجهات الرقابية أن تتحقق من أي شبهة مدعومة بأدلة، وأن تعلن ما تسمح به القواعد القانونية من نتائج.
تحقيق: مصطفى مكي











