تقرير : علياء الهواري
في قرية الحامولي التابعة لمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم تتصاعد استغاثات عدد من الأهالي الذين يقولون إنهم دخلوا في دوامة من الديون بعد الحصول على مبالغ مالية محدودة ثم فوجئوا بحسب رواياتهم بتضاعف المبالغ المطلوبة منهم بصورة هائلة حتى تحولت آلاف الجنيهات إلى عشرات ومئات الآلاف ووصلت في بعض الحالات إلى أرقام تتجاوز المليون جنيه
القصة التي بدأت كاحتياج بسيط للمال تحولت بحسب شهادات عدد من الأهالي إلى أزمة طاحنة دفعت أسرًا إلى بيع ممتلكاتها وبيوتها فيما تحدث آخرون عن قضايا وأحكام قضائية وعن ضغوط شديدة بسبب عجزهم عن سداد المبالغ التي يقولون إنها تضخمت بصورة تفوق قدرتهم على الاحتمال
الاستغاثات المتداولة تحمل اسم أحمد الجوهري باعتباره أحد مرسلي الشكاوى وتتضمن شهادات لأشخاص من المنطقة يقولون إنهم تعاملوا مع أشخاص يقدمون أموالًا بفوائد مرتفعة وإن المبالغ التي حصلوا عليها في البداية كانت محدودة للغاية مقارنة بما أصبح مطلوبًا منهم لاحقًا
وبحسب ما ورد في الاستغاثات فإن مبلغًا قدره أربعة آلاف جنيه يمكن أن يتحول وفق روايات أصحاب الشكاوى إلى نحو 150 ألف جنيه بينما تحدثت شهادة أخرى عن مبلغ صغير لم يتجاوز 150 جنيهًا ثم أصبح المطلوب سداده آلاف الجنيهات
الأمر لم يتوقف بحسب الشهادات عند تضخم المديونيات وإنما امتد إلى تحرير أوراق وإيصالات ثم نشوب نزاعات وصلت إلى ساحات المحاكم
ومن بين الأسماء التي تكررت في روايات أصحاب الشكاوى اسم المحامي أحمد عزت الذي يقول الأهالي إنه أحد الأشخاص المرتبطين بهذه التعاملات المالية
وهنا يجب التأكيد على أن ما يرد في هذا التحقيق بشأن الأشخاص المذكورين يأتي في إطار روايات وشهادات أصحاب الشكاوى ولا يمثل حكمًا قضائيًا أو إدانة نهائية لأي شخص وأن حسم هذه الاتهامات يظل من اختصاص جهات التحقيق والقضاء مع حفظ كامل حق كل طرف في الرد والدفاع عن نفسه
أكثر ما يثير القلق في هذه القضية هو الفارق الهائل بين أصل المبلغ والمبلغ الذي يقول أصحاب الشكاوى إنهم أصبحوا مطالبين بسداده
إحدى الشهادات تتحدث عن مبلغ قدره 180 ألف جنيه تحول بحسب رواية صاحبها إلى مبلغ يقترب من مليون جنيه
وشهادة أخرى تتحدث عن شخص حصل على 50 ألف جنيه ثم وجد نفسه بحسب روايته مطالبًا بمبلغ يصل إلى مليون و170 ألف جنيه رغم تأكيده أنه سدد مبالغ مالية خلال فترة التعامل
هذه الأرقام إذا صحت تكشف عن مشكلة أكبر من مجرد خلاف بين دائن ومدين لأن السؤال هنا يصبح كيف يمكن لمبلغ محدود أن يتضخم بهذه الصورة وما طبيعة الاتفاق الذي تم بين الطرفين وكيف جرى احتساب المبالغ وهل كانت هناك فوائد متراكمة أو إيصالات أو مستندات أخرى استخدمت في المطالبة بالأموال
القضية الأكثر قسوة في روايات الأهالي هي قصة أسرة تقول إنها انتقلت من امتلاك منزل إلى السكن بالإيجار بعد بيع المنزل من أجل مواجهة الديون
الأسرة تتحدث عن معاناة طويلة وعن أحكام قضائية تقول إن مجموعها وصل إلى 29 سنة وهي رواية تحتاج إلى مراجعة الأحكام نفسها وأرقام القضايا حتى يمكن معرفة تفاصيلها وما إذا كانت تتعلق بواقعة واحدة أم بعدة وقائع منفصلة
لكن الرقم وحده يكشف حجم المأساة التي تتحدث عنها الأسرة
فوراء الحكم القضائي أسرة كاملة تدفع الثمن وربما أطفال لا علاقة لهم بأصل الخلاف لكنهم يجدون أنفسهم أمام منزل تم بيعه وأب مهدد بالسجن ومستقبل أسري أصبح مرتبطًا بديون لا تنتهي
وفي شهادة أخرى تحدث أحد المتضررين عن قيامه بسداد مبلغ مالي ثم فوجئ باستمرار المطالبات المالية وهو ما يفتح بابًا واسعًا أمام ضرورة مراجعة الإيصالات والمستندات التي حررها أطراف التعاملات المالية
وهنا تظهر نقطة جوهرية في القضية وهي أن الحقيقة لا يمكن الوصول إليها من خلال الشهادات وحدها
إذا كانت هناك إيصالات بالفعل فيجب فحصها
وإذا كانت هناك أحكام قضائية فيجب الاطلاع عليها
وإذا كانت هناك بلاغات رسمية فيجب معرفة أرقامها ووقائعها
وإذا كانت هناك اتهامات بالتزوير أو التهديد فيجب أن تحدد التحقيقات ما إذا كانت هذه الاتهامات صحيحة أم لا
المثير في القصة أن الشهادات لا تتحدث عن حالة واحدة فقط وإنما عن أكثر من شخص من المنطقة يروون قصصًا متقاربة عن الاقتراض ثم تضخم المديونية ثم الدخول في نزاعات قانونية
وبحسب ما يرد في الاستغاثات فإن بعض الأشخاص من الفئات الفقيرة كانوا يلجأون إلى هذه الأموال بسبب حاجتهم الشديدة إلى السيولة وعدم قدرتهم على توفير المبلغ المطلوب من خلال الطرق التقليدية
وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف عندها لأن الفقر غالبًا ما يجعل الإنسان أكثر عرضة لاتخاذ قرارات مالية تحت ضغط الحاجة
شخص يحتاج إلى أربعة آلاف جنيه لعلاج أو زواج أو سداد دين أو إنقاذ مشروع صغير قد يرى في الحصول على المبلغ حلًا سريعًا لمشكلته
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا الحل المؤقت بابًا لدين أكبر
ومع تراكم المبالغ تبدأ الأسرة في بيع ما تملك ثم الاقتراض من جديد لسداد الدين القديم ثم الدخول في دائرة لا تنتهي من الالتزامات
وفي النهاية يجد المدين نفسه أمام رقم لم يعد قادرًا على فهم كيفية وصوله إلى هذا الحجم
هذه الدائرة هي التي يصفها أصحاب الشكاوى بأنها استغلال لحاجة الفقراء وضعفهم
لكن إثبات الاستغلال أو وجود مخالفة قانونية يحتاج إلى تحقيق رسمي ومستندات واضحة وليس فقط إلى روايات متداولة
ومن بين أكثر الادعاءات خطورة ما يتعلق بالتهديد ببيع أعضاء من الجسم من أجل سداد الأموال
هذه الرواية إن ثبتت ستكون بالغة الخطورة لأنها لا تتعلق بخلاف مالي وإنما بتهديد يمس حياة الإنسان وسلامة جسده
الأهالي الذين خرجوا للاستغاثة لا يطالبون فقط بالمال بحسب رواياتهم وإنما يطالبون بفهم ما حدث لهم وكيف وصلت الأمور إلى هذه المرحلة
فمن بدأ حياته بدين صغير يجد نفسه أمام رقم ضخم
ومن كان يمتلك منزلًا يقول إنه اضطر إلى بيعه
ومن كان يعمل لإعالة أسرته أصبح يواجه أحكامًا قضائية
ومن كان يبحث عن حل لأزمة مؤقتة وجد نفسه داخل أزمة أكبر بكثير
وهكذا تحولت قصة المال إلى قصة مجتمع كامل يخشى أن تصبح الحاجة إلى الاقتراض بابًا للسقوط في دائرة من الديون لا يستطيع الفقير الخروج منها
الحامولي اليوم أمام أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات واضحة
ما حقيقة المبالغ التي حصل عليها أصحاب الشكاوى وما قيمة المبالغ التي سددوها بالفعل
وكيف جرى احتساب المبالغ المتبقية
وما طبيعة الإيصالات والمستندات التي وقعوا عليها
وما أرقام القضايا والأحكام التي يتحدثون عنها
وهل توجد بلاغات رسمية تتعلق بالتهديد أو التزوير
وهل توجد تحقيقات جارية في هذه الوقائع
والأهم من كل ذلك ماذا يقول الطرف الذي وجهت إليه هذه الاتهامات .
القضية في جوهرها ليست فقط عن أربعة آلاف أصبحت 150 ألفًا أو عن 50 ألفًا قيل إنها تحولت إلى أكثر من مليون
القضية عن اللحظة التي يتحول فيها الاحتياج إلى فخ
وعن الإنسان الذي يستدين لأنه لا يملك بديلًا
ثم يجد نفسه أمام دين لا يعرف كيف بدأ ولا كيف تضخم ولا كيف يمكن أن ينتهي
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة
من يحمي الفقير عندما يتحول احتياجه إلى دين ومن يراجع هذه المديونيات قبل أن تتحول البيوت إلى أوراق والقضايا إلى أحكام والحياة كلها إلى رقم لا يستطيع صاحبه سداده











