حوار: علياء الهواري
في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، وتداخل المسارات العسكرية مع التحركات الدبلوماسية، تزداد التساؤلات حول شكل النظام الإقليمي الجديد، وحدود تأثير القوى الدولية، ومستقبل الدور المصري في بيئة إقليمية تتغير ملامحها بوتيرة غير مسبوقة.
وفي هذا الحوار، يقدّم السفير عاطف سالم قراءة معمقة للمشهد، متوقفًا عند حادث الطائرة المسيّرة في محيط ميناء دمياط، وتطور قواعد الاشتباك، ومستقبل الدبلوماسية في زمن الحروب، كما يتناول حرب المعلومات التي تخوضها إسرائيل، وأهمية الإعلام الوطني، ورؤيته لموقع مصر في خضم التحولات الجارية، مؤكدًا أن ما يحدث لم يعد مجرد صراع بين أطراف، وإنما عملية إعادة تشكيل شاملة لمنظومة الأمن الإقليمي والدولي
حادث الطائرة المسيّرة في محيط ميناء دمياط أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة التهديدات غير التقليدية التي تواجه دول المنطقة. برأيكم، هل نحن أمام تحول في قواعد الاشتباك أم أن مثل هذه الحوادث تظل أحداثًا معزولة؟
ما يحدث في المنطقة يمثل تطورًا غير مسبوق يتجاوز كل القواعد التي قام عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لم يعد الأمر مجرد نزاعات ثنائية بين دول، بل أصبح مرتبطًا بإعادة صياغة مفهوم الأمن الإقليمي بأكمله، وسط حالة واسعة من عدم اليقين.
نحن أمام أعلى مستويات الانتشار العسكري الأمريكي، وتنسيق عسكري وسياسي أمريكي ـ إسرائيلي يتجاوز حدود الدعم التقليدي، وهو ما يخلق واقعًا جديدًا في المنطقة ويضعف دور المؤسسات الدولية والمرجعيات الأممية، بينما أصبحت موازين القوى تعتمد بصورة أكبر على القوة المباشرة وتشابك المصالح.
أما بالنسبة لمصر، فلا أرى أن هناك تغييرًا استراتيجيًا يستهدفها بشكل مباشر، لكن هناك تحولًا تدريجيًا في قواعد الاشتباك يهدف إلى استنزاف المنطقة بأكملها. وبالنسبة لحادث دمياط، فمن المبكر إصدار أحكام قبل اكتمال المعلومات، لأن تقييم أي حادث يجب أن يستند إلى الحقائق لا إلى التكهنات.
شهدنا خلال الفترة الأخيرة تداخلًا غير مسبوق بين المسارات العسكرية والدبلوماسية. هل ما زالت الدبلوماسية قادرة على التأثير في القرار العسكري؟
بالتأكيد. الدبلوماسية لا تزال تملك قدرة كبيرة على التأثير في القرار العسكري، بل إن ما نشهده اليوم هو تداخل واضح بين المسارين. في السابق كانت الدبلوماسية تتحرك أولًا، ثم يأتي الخيار العسكري إذا فشلت الحلول السياسية، أما الآن فنرى المسارين يسيران بالتوازي.
القرار العسكري لا يعتمد فقط على القوة، وإنما يتأثر أيضًا بالرأي العام، والاقتصاد، والتحالفات، والمصالح الدولية، والإعلام. لذلك أصبحت معركة التأثير على العقول لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها، وهو ما أدركته إسرائيل منذ سنوات، كما تناول ذلك عدد من المفكرين والاستراتيجيين الإسرائيليين.
تتعرض مصر لمحاولات متكررة لزجها في تداعيات الصراع. كيف تقرأون هذه المحاولات؟
مصر دولة ذات ثقل تاريخي وسياسي وإقليمي، ولديها مؤسسات تدرك جيدًا طبيعة ما يجري حولها. صانع القرار المصري ليس في انتظار من يشرح له الرسائل السياسية، وإنما يتابع التطورات بصورة دقيقة، ويضع سيناريوهات للتعامل مع مختلف الاحتمالات.
قد تقع حوادث فردية أو محاولات لإثارة البلبلة، لكن لا أعتقد أن هناك تحركًا مباشرًا ضد مصر في المرحلة الحالية. الدولة تدير المشهد بحسابات دقيقة، لكنها في المقابل تحتاج إلى تطوير الأداء الإعلامي ليصبح أكثر سرعة واحترافية، لأن الإعلام أحيانًا يتأخر في تقديم الرواية الرسمية، وأحيانًا أخرى يتسرع في تقديم تحليلات لا تتوافق مع الموقف السياسي.
هناك من يرى أن المنطقة لم تعد تشهد مجرد صراع بين دول، بل إعادة تشكيل كاملة لمنظومة الأمن الإقليمي. إلى أي مدى تتفقون مع هذا الطرح؟
أتفق مع هذا الطرح إلى حد كبير. نحن بالفعل أمام إعادة تشكيل لمنظومة الأمن الإقليمي، وكان أحد أهدافها الأساسية تحجيم نفوذ إيران ووكلائها في المنطقة، وفتح ترتيبات جديدة مع عدد من الدول، خاصة في الخليج.
لكن اللافت أن هذه الترتيبات تُطرح في كثير من الأحيان بعيدًا عن معالجة جوهر القضية الفلسطينية. وحتى في الملفات المرتبطة بالتعاون النووي السلمي أو التطبيع، نرى أن إسرائيل تضع شروطًا تتجاوز مجرد العلاقات الثنائية، وتسعى إلى فرض رؤيتها الخاصة بعيدًا عن أي التزام بإقامة الدولة الفلسطينية.
المعادلات تتغير، والخطابات السياسية تتغير، لكن مصر تظل دولة تمتلك من الخبرة والإمكانات ما يجعلها قادرة على التعامل مع هذه التحولات.
كيف يمكن للدبلوماسية أن تواجه حرب المعلومات؟ وهل أصبحت المعركة على الرواية السياسية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية؟
بلا شك. إسرائيل تمتلك خبرة كبيرة في إدارة حرب المعلومات، وتستثمر إمكانات ضخمة في الإعلام الرقمي،
والذكاء الاصطناعي، والدبلوماسية العامة، والمؤثرين، بهدف تشكيل الرأي العام العالمي.
رأينا كيف استخدمت روايات غير موثقة بعد السابع من أكتوبر، وكيف جرى توظيفها إعلاميًا لتبرير سياسات معينة، كما أن جماعات الضغط مثل “إيباك” لعبت أدوارًا مؤثرة في توجيه القرار السياسي الأمريكي خلال السنوات الماضية.
ولهذا فإن مواجهة الشائعات تبدأ بسرعة إصدار المعلومات الرسمية، لأن ترك فراغ معلوماتي يسمح بانتشار روايات متعددة يصعب تصحيحها لاحقًا. الوضوح والسرعة عنصران أساسيان في مواجهة التضليل.
إذا نظرنا إلى الأحداث الأخيرة كوحدة واحدة، فما الرسالة السياسية التي لم تستوعبها المنطقة بعد؟ وما السيناريو الذي ينبغي على صانع القرار المصري الاستعداد له؟
الرسالة الأساسية هي أن العالم كله يشهد مرحلة إعادة تموضع، وليس الشرق الأوسط وحده. الولايات المتحدة أعادت النظر في علاقاتها مع أوروبا، والصين وروسيا توسعان نفوذهما، والاتحاد الأوروبي يواجه تحديات دفاعية كبيرة، وهو ما يعكس تغيرًا واسعًا في موازين القوى الدولية.
أما في الشرق الأوسط، فما يجري هو إعادة رسم للخرائط السياسية والأمنية، وليس مجرد إدارة لأزمات منفصلة. ولهذا فإن مصر مطالبة بالاستمرار في نهجها القائم على الاتزان الاستراتيجي، والحفاظ على ثوابتها، وتعزيز أدواتها الدبلوماسية والإعلامية، لأنها تمتلك مقومات القوة الشاملة التي تجعلها عنصر استقرار رئيسيًا في المنطقة.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فإن الضغوط الراهنة تؤكد أهمية تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، والتمسك بمخرجات اتفاق بكين، باعتبارها المدخل الحقيقي لبناء موقف فلسطيني موحد في مواجهة محاولات التصفية.
وأعتقد أن مصر ستظل لاعبًا محوريًا في المرحلة المقبلة، لأنها تمتلك رصيدًا سياسيًا وتاريخيًا ودبلوماسيًا كبيرًا، وتتحرك وفق رؤية تحافظ على أمنها القومي، وتمنع اتساع دوائر الصراع، وتدافع عن مبادئ القانون الدولي واستقرار الإقليم.











