حوار : علياء الهواري
في وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، وتتصاعد الأسئلة حول مستقبل المشروع الوطني وحدود النقد الداخلي وآليات صناعة القرار، أجرت «علياء الهواري» حوارًا مع د. فاتن شلباية، رئيسة اتحاد الشباب العربي في أمريكا، للحديث عن رؤيتها لمعادلة النقد والمسؤولية، ومستقبل المؤسسات الفلسطينية، والبدائل المطروحة للمقاومة، ورسالتها إلى صناع القرار الفلسطينيين في هذه المرحلة المفصلية.
في مقالكِ تؤكدين أن “النقد ليس خيانة”، لكن في ظل الحرب الحالية، كيف يمكن التمييز بين النقد الوطني المسؤول والخطاب الذي قد يُستغل لإضعاف الموقف الفلسطيني أو خدمة رواية الاحتلال؟
قالت إن النقد الوطني المسؤول يبدأ من ثوابت واضحة، أهمها عدم تبرئة الاحتلال من مسؤوليته، وعدم تبرير جرائمه، والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير. وأضافت أن ذلك لا يعني منح أي قيادة أو فصيل حصانة من المساءلة، موضحة أن الفارق بين النقد المسؤول والخطاب الضار يكمن في الهدف واللغة والتوقيت؛ فالأول يسعى إلى تصحيح المسار وحماية المدنيين ومنع تكرار الأخطاء، بينما يتحول الثاني إلى أداة تخدم الاحتلال عندما يعمم الاتهامات على الشعب الفلسطيني أو يتبنى روايته أو يستخدم المأساة لتجريد الفلسطينيين من حقوقهم. وأكدت أن المطلوب ليس الصمت، وإنما نقد واعٍ يفرق بين محاسبة القيادة والطعن في عدالة القضية.
حمّلتِ القيادات الفلسطينية مسؤولية مراجعة قراراتها، وفي الوقت نفسه أكدتِ أن الاحتلال هو المسؤول الأول عن المأساة. كيف يمكن تحقيق هذا التوازن دون أن يطغى أحد المسارين على الآخر في الخطاب السياسي والإعلامي؟
وأوضحت أن تحقيق هذا التوازن يبدأ بالفصل بين مستويين من المسؤولية؛ الأول يتعلق بمسؤولية الاحتلال القانونية والسياسية والأخلاقية عن الاحتلال والحصار والاستيطان والقتل والتهجير، وهي مسؤولية لا يجوز التقليل منها أو مساواتها بمسؤولية الطرف الواقع تحت الاحتلال. أما المستوى الثاني فيتعلق بمسؤولية القيادات الفلسطينية عن خياراتها وقدرتها على حماية شعبها وتقدير كلفة قراراتها. وشددت على أن الاعتراف بمسؤولية الاحتلال لا يعفي القيادات من المراجعة، كما أن نقد القيادات لا يبرئ الاحتلال، مؤكدة أن الخطاب المتوازن يجب أن يحافظ على هذه المعادلة حتى لا تتحول المساءلة الداخلية إلى خدمة للرواية الإسرائيلية.
أشرتِ إلى أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني مع الحاجة إلى تطوير مؤسساتها. برأيكِ، ما الخطوات العملية التي يمكن أن تعيد الثقة بالمؤسسات الوطنية وتحقق شراكة حقيقية بين مختلف القوى الفلسطينية؟
وأكدت أن استعادة الثقة تبدأ بإصلاح حقيقي للمؤسسات، من خلال تجديدها عبر انتخابات نزيهة للمجلس الوطني والتشريعي والرئاسة متى توفرت الظروف، إلى جانب توسيع التمثيل ليشمل الشباب والنساء والمستقلين والفلسطينيين في الداخل والشتات. كما دعت إلى الفصل بين المؤسسات الوطنية والمصالح الفصائلية، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ووضع برنامج سياسي موحد يحافظ على استقلال القرار الفلسطيني. وأضافت أن الشراكة الحقيقية لا تعني تقاسم المناصب، وإنما الاتفاق على مرجعية وطنية واحدة وآليات واضحة لاتخاذ القرار، خاصة في القضايا المصيرية مثل الحرب والسلم والمقاومة والعلاقات الإقليمية.
حذرتِ من نقل المواجهة العسكرية إلى الضفة الغربية، وطرحتِ تساؤلات حول كلفة هذا الخيار. في رأيكِ، ما البدائل السياسية أو الشعبية التي يمكن أن تحافظ على حق الفلسطينيين في المقاومة دون تكرار الكارثة الإنسانية التي شهدتها غزة؟
ورأت أن المقاومة حق مشروع، لكنها لا تقتصر على العمل العسكري، مشيرة إلى أن المقاومة الشعبية المنظمة، ودعم صمود المواطنين، ومقاطعة منتجات المستوطنات، وتوثيق الانتهاكات، وتفعيل المسارات القانونية والدبلوماسية الدولية، تمثل أدوات فعالة في هذه المرحلة. وأضافت أن تعزيز المجتمع الفلسطيني ومؤسساته واقتصاده وتعليمه وصحافته المستقلة يعد أيضًا شكلًا من أشكال المقاومة، مؤكدة أن النجاح يقاس بقدرة القرار على حماية الشعب وتحقيق مكاسب سياسية، وليس بحجم الخسائر التي يتكبدها.
لو أتيح لكِ أن توجهي رسالة واحدة إلى صناع القرار الفلسطينيين بعد كل ما شهدته القضية خلال الفترة الأخيرة، فما القرار أو المراجعة التي ترين أنها أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل؟
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الوحدة الوطنية لم تعد شعارًا سياسيًا، بل أصبحت مسألة بقاء، داعية إلى إنهاء الانقسام وإعادة القرار إلى مؤسسة وطنية جامعة تضع الإنسان الفلسطيني في مقدمة أولوياتها. كما شددت على ضرورة مراجعة مفهوم القيادة، بحيث تقاس بقدرتها على حماية شعبها، وقراءة موازين القوى، وتحمل مسؤولية قراراتها. وأكدت أن الأولوية الآن هي بناء استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين المقاومة الشعبية والعمل السياسي والقانوني والدبلوماسي، وتحافظ على استقلال القرار الفلسطيني، دون أن ينفرد أي فصيل برسم مستقبل شعب بأكمله.











