حوار: علياء الهواري
بين حربٍ لم تتوقف فصولها في غزة، ومفاوضاتٍ تُدار في العواصم الكبرى، وأسئلةٍ تتزايد حول شكل المنطقة بعد انتهاء المواجهات، تقف القضية الفلسطينية أمام مفترق طرق تاريخي. فبينما تتحدث القوى الدولية عن ترتيبات جديدة وتحالفات إقليمية وصياغات مختلفة لمستقبل الشرق الأوسط، يظل السؤال الأهم: أين تقف فلسطين في كل ذلك؟
هل أصبحت الحرب مدخلًا حقيقيًا لحل سياسي طال انتظاره، أم أن العالم ما زال يدير الصراع بدلًا من إنهائه؟ وهل يمكن أن تتحول الحقوق الفلسطينية إلى بند ضمن تفاهمات وصفقات دولية أوسع؟ أم أن القضية أثبتت مجددًا أنها جوهر الاستقرار في المنطقة وأن تجاوزها لم يعد ممكنًا؟
في هذا الحوار الخاص، يجيب السفير الدكتور فائد مصطفى، الأمين العام المساعد رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، عن أبرز الأسئلة المتعلقة بمستقبل القضية الفلسطينية، وموقعها في خريطة التحولات الإقليمية والدولية، وحدود تأثير التفاهمات الدولية على مسار الحرب والسلام، مؤكدًا أن الحقوق الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تكون محل مساومة أو مقايضة مهما تغيرت المعادلات السياسية.
بعد كل ما جرى في غزة والمنطقة، هل تعتقدون أن القضية الفلسطينية أصبحت اليوم أقرب إلى الحل، أم أن العالم يكتفي بإدارة الأزمة بدلًا من إنهائها؟
ما جرى في قطاع غزة خلال الفترة الماضية شكّل نقطة تحول مهمة في مسار القضية الفلسطينية، إذ أعادها إلى صدارة الاهتمام الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها أو تجاوزها. ومع ذلك، لا يمكن القول إننا أصبحنا تلقائياً أقرب إلى الحل. فالمشكلة الأساسية لا تزال قائمة، وهي استمرار الاحتلال وغياب الإرادة الدولية الكافية لإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية.
لقد أثبتت التجارب أن سياسة إدارة الأزمة بدلاً من حلها لم تؤدِّ إلا إلى المزيد من التوتر والعنف وعدم الاستقرار. ومن هنا فإن أي مقاربة جدية للمستقبل يجب أن تنتقل من إدارة تداعيات الصراع إلى معالجة أسبابه الجذرية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
هناك حديث متزايد عن “شرق أوسط جديد” يُرسم على وقع الحروب الحالية، برأيكم هل الفلسطينيون شركاء في رسم هذا المشهد أم ضحاياه؟
لا يمكن الحديث عن شرق أوسط مستقر وآمن دون أن يكون الشعب الفلسطيني شريكاً أساسياً في صياغة مستقبله ومستقبل المنطقة. للأسف، كثير من المشاريع التي طُرحت عبر العقود حاولت التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً يمكن الالتفاف عليه أو تأجيله، لكن الأحداث أثبتت أن تجاهل الحقوق الفلسطينية لا يصنع السلام.
الفلسطينيون ليسوا مجرد ضحايا لما يجري، رغم حجم المعاناة الهائل الذي يتعرضون له، بل هم أصحاب حق وقضية وطنية عادلة يجب أن تكون جزءاً من أي رؤية مستقبلية للمنطقة. وأي ترتيبات إقليمية لا تضع حلاً عادلاً للقضية الفلسطينية في صلبها ستبقى ترتيبات هشة وغير قابلة للاستمرار.
هل تشعر القيادة الفلسطينية بأن بعض القوى الدولية تستخدم ملف غزة كورقة تفاوض في صراعات إقليمية أكبر، أم أن هناك إرادة حقيقية لإنهاء الاحتلال؟
من الواضح أن القضية الفلسطينية تتأثر بطبيعة التفاعلات الإقليمية والدولية، وأن بعض الأطراف تنظر أحياناً إلى التطورات في غزة من زاوية مصالحها وحساباتها الاستراتيجية الأوسع. لكن هذا لا يلغي وجود قوى ودول ومنظمات دولية تؤمن بالفعل بضرورة إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل.٩
المطلوب فلسطينياً وعربياً هو التأكيد الدائم على أن القضية الفلسطينية ليست ورقة تفاوضية ولا ملفاً ثانوياً في صراعات الآخرين، بل قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال وفقاً لقواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ومن هذا المنطلق يجب ألا تتحول الحقوق الفلسطينية إلى مادة للمساومات السياسية أو الترتيبات المؤقتة.
إذا صحّ أن التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على مسار الحرب في غزة، فهل يُنظر إلى ذلك باعتباره فرصة لوقف النزيف الفلسطيني أم مصدر قلق من إدخال القضية الفلسطينية في حسابات قوى إقليمية أخرى؟
أي جهد أو تفاهم دولي أو إقليمي يمكن أن يسهم في وقف العدوان وحماية المدنيين الفلسطينيين وتخفيف المعاناة الإنسانية هو أمر مرحب به من حيث المبدأ. لكن في الوقت ذاته، هناك حرص فلسطيني وعربي على ألا تصبح القضية الفلسطينية رهينة للتجاذبات أو المقايضات بين القوى الإقليمية والدولية.
القضية الفلسطينية تمتلك خصوصيتها القانونية والسياسية والتاريخية، وينبغي التعامل معها على أساس حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة وغير القابلة للتصرف، وليس باعتبارها بنداً ضمن تفاهمات أوسع قد تتغير بتغير المصالح والظروف السياسية.
إذا نجحت القوى الدولية في فرض تسوية توقف الحرب وتمنع التصعيد الإقليمي، فهل تخشون أن يكون الثمن السياسي المطلوب من الفلسطينيين أكبر من المكاسب التي سيحصلون عليها؟
أي تسوية حقيقية ومستدامة يجب أن تقوم على مبدأ التوازن والعدالة واحترام الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. أما إذا كان المقصود وقف الحرب مقابل تنازلات تمس الحقوق الوطنية الفلسطينية أو تتجاوز الثوابت المعترف بها دولياً، فإن مثل هذه المقاربات لن تؤدي إلى سلام دائم.
التجربة أثبتت أن الحلول المؤقتة أو المجتزأة قد تؤجل الانفجار لكنها لا تعالج جوهر المشكلة. ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد وقف للحرب، وإنما إطلاق مسار سياسي جاد يفضي إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
إذا نجح ترامب في التوصل إلى اتفاق إقليمي واسع يشمل إيران وغزة وملفات أخرى، فهل تعتقدون أن القضية الفلسطينية ستكون جزءًا من الحل أم مجرد ثمن يُدفع لإنجاح الصفقة؟
الموقف الفلسطيني والعربي المبدئي واضح في هذا الشأن، وهو أن القضية الفلسطينية ليست تفصيلاً يمكن إضافته أو حذفه من أي صفقة إقليمية، وليست ثمناً لإنجاح ترتيبات سياسية بين أطراف أخرى. إن جوهر القضية يتعلق بحقوق وطنية ثابتة لشعب تحت الاحتلال.
نجاح أي مبادرة أو اتفاق إقليمي سيكون مرتبطاً بمدى قدرته على معالجة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفق القانون الدولي. أما إذا جرى التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً ثانوياً أو مجرد عنصر ضمن تفاهمات أوسع، فإن ذلك لن يحقق الاستقرار المنشود ولن ينهي أسباب الصراع.
ترامب يتحدث بلغة الصفقات أكثر من لغة الحقوق والقانون الدولي. هل يمكن للقضية الفلسطينية أن تحصل على حقوقها من خلال منطق الصفقات السياسية أم أن ذلك يمثل خطرًا عليها؟
القضية الفلسطينية ليست قضية مساعدات أو امتيازات يمكن التفاوض عليها بمنطق الربح والخسارة، وإنما قضية حقوق وطنية وقانونية ثابتة أقرها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة. ولذلك فإن أي جهد سياسي يجب أن ينطلق من احترام هذه الحقوق وليس من تجاوزها.
الخبرة التاريخية تؤكد أن السلام الحقيقي لا يُبنى على موازين القوة وحدها، وإنما على العدالة واحترام الحقوق. وإذا كانت الدبلوماسية بطبيعتها تقوم على التفاوض والتفاهمات السياسية، فإن نجاح أي تفاوض يبقى مرهوناً بمدى التزامه بالمرجعيات القانونية الدولية التي تكفل للشعب الفلسطيني حقه في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.











