كتبت: علياء الهواري
لم تكن النكبة حدثا عابرا في تاريخ الفلسطينيين، ولا مجرد ذكرى سنوية يستعيد فيها الناس صور القرى القديمة ومفاتيح البيوت الصدئة، بل كانت بداية زمن كامل من الاقتلاع والدم والمنفى، زمن ما زال مستمرا حتى اليوم بأشكال مختلفة، حتى بدا وكأن فلسطين لم تخرج من عام 1948 أبدا.
في الخامس عشر من مايو عام 1948، أعلنت العصابات الصهيونية قيام دولة إسرائيل فوق أرض فلسطين، لتبدأ واحدة من أكبر عمليات التهجير القسري في التاريخ الحديث. أكثر من 750 ألف فلسطيني طردوا من مدنهم وقراهم تحت القصف والمجازر، وتم تدمير ما يزيد على 500 قرية فلسطينية بالكامل، بينما كانت العائلات تهرب بما تستطيع حمله، معتقدة أن الغياب لن يطول، وأن العودة ستكون بعد أيام قليلة.
لكن الأيام تحولت إلى عقود.
النكبة لم تكن فقط احتلال أرض، بل كانت محاولة منظمة لمحو شعب كامل من ذاكرته وجغرافيته وتاريخه. القرى الفلسطينية لم تدمر وحدها، بل تم تغيير أسمائها، وإزالة معالمها، وبناء مستوطنات إسرائيلية فوق أنقاضها، في محاولة لصناعة رواية جديدة تقول إن الأرض كانت بلا أصحاب.
ومن بين المجازر التي حفرت اسمها في الذاكرة الفلسطينية، جاءت مجزرة دير ياسين كواحدة من أبشع الجرائم التي ارتكبتها العصابات الصهيونية قبل إعلان قيام إسرائيل بأسابيع قليلة. عشرات المدنيين قتلوا بدم بارد، بينهم نساء وأطفال، بينما استخدمت المجزرة لاحقا كوسيلة لبث الرعب ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة الجماعية خوفا من المصير نفسه.
لكن دير ياسين لم تكن الأخيرة.
من الطنطورة إلى اللد والرملة، ومن كفر قاسم إلى صبرا وشاتيلا، امتد الدم الفلسطيني عبر العقود، لتتحول النكبة من لحظة تاريخية إلى واقع دائم يلاحق الفلسطيني أينما ذهب.
اليوم، وبعد مرور 78 عاما على النكبة، يبدو المشهد وكأن التاريخ يعيد نفسه بصورة أكثر قسوة. غزة التي تحولت إلى أكبر سجن مفتوح في العالم، تعيش منذ شهور واحدة من أعنف الحروب في تاريخها، وسط دمار هائل طال البشر والحجر، وآلاف القتلى والجرحى، ومشاهد نزوح جماعي تعيد إلى الأذهان صور الفلسطينيين وهم يغادرون قراهم عام 1948 حاملين ما تبقى من حياتهم.
الفرق الوحيد أن العالم هذه المرة يشاهد كل شيء مباشرة.
الكاميرات تنقل صور الأطفال تحت الأنقاض، والعائلات التي تفترش الطرقات، والمستشفيات المدمرة، والنازحين الذين يبحثون عن الماء والطعام بين الركام، لكن المشهد الدولي لا يزال عاجزا عن وقف المأساة، وكأن الدم الفلسطيني فقد قدرته على الصدمة.
في مخيمات اللجوء المنتشرة في لبنان وسوريا والأردن، ما زال الفلسطينيون يحتفظون بمفاتيح بيوتهم القديمة، ليس باعتبارها تذكارا، بل باعتبارها وثيقة حق. أجيال كاملة ولدت في المخيمات ولم تر فلسطين يوما، لكنها تعرف أسماء القرى والشوارع والحارات التي هجر منها الأجداد، وكأن الذاكرة تحولت إلى وطن بديل يحمي الهوية من الضياع.
ورغم مرور كل هذه السنوات، لم تنجح إسرائيل في إنهاء القضية الفلسطينية كما كانت تتوقع. بل على العكس، تحولت فلسطين إلى واحدة من أكثر القضايا حضورا في الوعي العالمي، خاصة مع تصاعد وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت احتكار الرواية الإسرائيلية للإعلام الغربي.
خلال السنوات الأخيرة، بدأت صورة الاحتلال تهتز بشكل غير مسبوق، بعدما انتشرت مقاطع الفيديو التي توثق عمليات القصف والقتل والاقتحامات، وأصبح ملايين الناس حول العالم يشاهدون للمرة الأولى ما يعيشه الفلسطيني يوميا تحت الاحتلال.
في القدس، تتواصل محاولات تهويد المدينة وتوسيع الاستيطان، بينما يواجه الفلسطينيون خطر التهجير المستمر، خاصة في أحياء مثل الشيخ جراح وسلوان. وفي الضفة الغربية، تتصاعد اقتحامات الجيش الإسرائيلي واعتداءات المستوطنين، في وقت تتحول فيه حياة الفلسطيني اليومية إلى سلسلة طويلة من الحواجز العسكرية والخوف والاعتقالات.
أما غزة، فقد أصبحت الصورة الأوضح لمعنى النكبة المستمرة. هناك، لا يحتاج الناس إلى قراءة كتب التاريخ ليفهموا معنى التهجير والجوع والحصار. كل شيء حاضر أمامهم: البيوت المدمرة، العائلات التي اختفت بالكامل من السجل المدني، والأطفال الذين كبروا على أصوات الطائرات والانفجارات بدل أصوات المدارس والحدائق.
ورغم كل ذلك، ما زال الفلسطيني متمسكا بأرضه بصورة تثير دهشة العالم.
هذا الشعب الذي عاش النكبة والحروب والحصار واللجوء، لم يفقد إيمانه بحقه في الحياة والعودة. وربما لهذا السبب تحديدا فشلت كل محاولات إنهاء القضية الفلسطينية، لأن الفلسطيني لم يتعامل مع وطنه باعتباره مجرد قطعة أرض، بل باعتباره جزءا من هويته ووجوده نفسه.
في كل عام، تمر ذكرى النكبة بينما تتغير الوجوه والأسماء والخرائط، لكن الحقيقة تبقى واحدة: هناك شعب اقتلع من أرضه بالقوة، وما زال حتى اليوم يدفع ثمن تمسكه بحقه في وطنه.
وربما أخطر ما في النكبة ليس ما حدث عام 1948 فقط، بل استمرارها حتى الآن بصور مختلفة. فالنكبة لم تعد مجرد ذكرى تاريخية، بل أصبحت واقعا يوميا يعيشه الفلسطيني في غزة والضفة والقدس ومخيمات اللجوء.
ومع كل بيت يهدم، وكل طفل يقتل، وكل عائلة تنزح، تتجدد الحكاية نفسها التي بدأت قبل 78 عاما، وكأن فلسطين عالقة في دائرة لا تنتهي من الألم.
لكن وسط هذا الخراب كله، ما زال الفلسطيني يرفع علمه فوق الركام، وما زالت الجدات تحفظ أسماء القرى، وما زال الأطفال يرسمون فلسطين على جدران المخيمات، في رسالة واضحة تقول إن النكبة لم تنجح في قتل الحلم.
فالقضية التي ظن كثيرون أنها ستنتهي مع الزمن، تحولت إلى ذاكرة شعب كامل يرفض النسيان، ويرفض الاعتراف بأن الاحتلال يمكن أن يصبح أمرا طبيعيا مهما طال الزمن.
وفي ذكرى النكبة، لا يبدو الفلسطيني منشغلا فقط باستعادة الماضي، بل بمواجهة حاضر لا يزال يحمل المأساة نفسها، وإن اختلفت الأدوات والأسماء.
من دير ياسين إلى غزة، ومن مفاتيح البيوت القديمة إلى خيام النزوح الحديثة، تبقى الحكاية واحدة: شعب ما زال يقاتل من أجل حقه في أن يعيش على أرضه دون خوف، ودون حصار، ودون أن يتحول وجوده نفسه إلى معركة يومية من أجل البقاء











