كتبت: فاطمة بدوى
كتب سفير اوكرانيا بمصر ميكولا ناهورني
مقال بمناسبة يوم النصر جاء فيه :
لا يُعدّ يوم النصر على النازية في الحرب العالمية الثانية مجرد مناسبة مدوَّنة في كتب التاريخ، بل هو بالنسبة إلى ملايين البشر في أوروبا، ولا سيما في أوكرانيا، يومٌ تستعاد فيه ذكريات الخسائر الإنسانية غير المسبوقة، والدمار الهائل، والاختبارات الأخلاقية القاسية التي خلّفتها تلك الحرب. وهذه القضية ليست بعيدة عن مصر أيضًا؛ فقد شكّلت شمال أفريقيا أحد أبرز ميادين القتال آنذاك، وكانت المعارك التي دارت على الأراضي المصرية جزءًا مهمًا من التاريخ العالمي للمواجهة مع النازية.
ومع ذلك، فإن فهم تلك الحرب ظلّ لعقود طويلة خاضعًا لتأثير السرديات السياسية والأساطير الأيديولوجية. ففي الاتحاد السوفييتي جرى تكريس مفهوم ما سُمّي بـ«الحرب الوطنية العظمى»، وهي رواية انتقائية تعمّدت إخفاء كثير من الحقائق غير المريحة. فحتى يونيو/حزيران 1941، لم يكن الاتحاد السوفييتي في حالة حرب مع ألمانيا النازية، بل كان عمليًا حليفًا لها. وقد نصّ اتفاق مولوتوف–ريبنتروب الموقَّع بين الاتحاد السوفييتي الشيوعي وألمانيا النازية على تقاسم مناطق النفوذ في أوروبا، ومهّد الطريق لتقسيم بولندا.
لقد بدأت الحرب العالمية الثانية في الأول من سبتمبر/أيلول 1939 مع الهجوم الألماني النازي على بولندا، ثم ما لبث الاتحاد السوفييتي أن شنّ هجومه من الشرق في السابع عشر من الشهر نفسه، موجّهًا بذلك طعنة في ظهر الدولة البولندية التي كانت تراهن على تضامن جيرانها. وسقطت بولندا، بينما احتفل المحتلون السوفييت والألمان بانتصارهم عبر عروض عسكرية مشتركة في بريست ولفيف.
كما أُدرجت كل من لاتفيا وليتوانيا وإستونيا وفنلندا ضمن نطاق المصالح السوفييتية بموجب اتفاق مولوتوف–ريبنتروب، الأمر الذي مهّد الطريق لإشعال موسكو حربًا ضد فنلندا في نوفمبر/تشرين الثاني 1939، ثم شنّها هجومًا غير مبرَّر على لاتفيا وليتوانيا وإستونيا في يونيو/حزيران 1940، قبل أن تُضمّ هذه الدول رسميًا إلى الاتحاد السوفييتي في أغسطس/آب من العام نفسه.
ولم تؤدِّ هذه الخطوات إلى تقويض توازن القوى في أوروبا فحسب، بل فتحت الباب أيضًا أمام مزيد من التوسّع والعدوان النازي. فالاتفاقات التي أبرمت بين النظامين الشموليين وفّرت عمليًا الظروف التي سمحت للحرب بالتصاعد حتى شملت العالم بأسره. وتكمن مفارقة التاريخ في أن الدولة التي ساهمت في توسيع شهية المعتدي أصبحت لاحقًا إحدى ضحاياه.
ورغم كل الدروس والعِبر التي كان يُفترض أن تستخلص من تلك الحقبة، فإن هذه الأحداث التاريخية تبدو اليوم، للأسف، وكأنها تستعيد حضورها من جديد، في ظل تشابهات يصعب تجاهلها. فموسكو المعاصرة تبتكر بدورها أساطير سياسية مشابهة، وهذه المرة تحت مسمّى «العملية العسكرية الخاصة». غير أنّ تغيير التسمية لا يغيّر من حقيقة الأمر شيئًا؛ فنحن أمام حرب عدوانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بل إن حدّتها لا تقلّ عن كثير من مراحل الحرب العالمية الثانية، أما من حيث المدة الزمنية فقد تجاوزت حتى ما كان يُعرف بـ«الحرب الوطنية العظمى».
وكما حدث في القرن العشرين، تعود اليوم محاولات إعادة رسم خريطة أوروبا لتترافق مجددًا مع خطاب «مناطق النفوذ». وهو صدى مباشر للمنطق الذي حكم التفاهمات بين الطاغيتين ستالين وهتلر، حين كانت مصائر الشعوب تُقرَّر من دون مشاركتها. وكما في الماضي، فإن تبعات هذه السياسات تتجاوز حدود دولة بعينها أو منطقة محددة. فالحرب الروسية ضد أوكرانيا لم تعد منذ زمن نزاعًا محليًا، بل باتت تُلقي بظلالها السلبية على الأمن العالمي، بما في ذلك الأمن الغذائي، والاقتصاد، والتجارة، والاستقرار السياسي. كما نشهد مؤشرات واضحة على اتساع رقعة الأزمة، من حوادث الطائرات المسيّرة خارج أوكرانيا إلى التهديدات الموجّهة لدول أخرى تمتد من منطقة البلطيق حتى كازاخستان.
وفي الوقت نفسه، لا بد من الحديث عن العدالة في الذاكرة التاريخية. فروسيا تحاول اليوم احتكار النصر على النازية وتقديمه بوصفه «انتصارًا روسيًا خالصًا»، في تبسيط فجّ يتناقض تمامًا مع الحقيقة التاريخية، ويتجاهل بصورة مخزية تضحيات وبطولات شعوب أخرى داخل الاتحاد السوفييتي وخارجه، والتي أسهمت جميعها في الانتصار المشترك على النازية. لقد تكبّد الشعب الأوكراني واحدًا من أكبر أثمان الحرب: ملايين القتلى، ومدن وقرى مدمّرة بالكامل. وقد قاتل الأوكرانيون على جبهات مختلفة، وكان لهم إسهام محوري في تحقيق النصر. ويكفي للدلالة على ذلك أن جمهورية أوكرانيا السوفييتية أصبحت عام 1945، رغم كونها جزءًا من الاتحاد السوفييتي، إحدى الدول المؤسسة لمنظمة الأمم المتحدة.
إن إحياء ذكرى الحرب في أوكرانيا وأوروبا اليوم لا يقتصر على تكريم الضحايا فحسب، بل يتعلّق أيضًا بالإحساس بالمسؤولية تجاه المستقبل. إنها ذاكرة تحذّر من تكرار الأخطاء. «لن يتكرر ذلك أبدًا».
كما يمنحنا التاريخ أمثلة على أن أكثر الصفحات مأساوية لا تحول دون إمكان التعافي وإعادة البناء. فبعد الحرب، سلكت ألمانيا طريقًا شاقًا، انتقلت خلاله من الهزيمة والإدانة إلى الاعتراف العميق بالأخطاء. وقد سمحت سياسات اجتثاث النازية، ومحاكمة مجرمي الحرب، ودفع التعويضات، والأهم من ذلك الاعتراف الداخلي بالمسؤولية، لألمانيا بأن تصبح واحدة من أكثر دول أوروبا استقرارًا وتقدمًا.
وتبقى هذه التجربة ذات دلالة كبيرة حتى اليوم. فلا نزاع يدوم إلى الأبد، والجغرافيا لا تسمح باختيار الجيران. غير أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الاعتراف الصادق بالأخطاء، وتحمل المسؤولية عن الجرائم، والاستعداد لإجراء تحولات عميقة وجذرية. وبالنسبة إلى روسيا المعاصرة، فإن ذلك يعني الحاجة إلى مسار صعب لكنه لا مفر منه: التخلي عن العقلية الإمبراطورية، وإعادة الاعتبار للعدالة، وتعويض الأضرار التي ألحقتها بالآخرين.
وفي المحصلة، فإن يوم النصر على النازية لا يتعلق بالماضي وحده، بل بالحاضر والمستقبل أيضًا. إنه تذكير بأن العدوان، مهما اختلفت تسمياته، يقود دائمًا إلى الخراب — ليس للضحايا فحسب، بل للمعتدي نفسه في نهاية المطاف. وهو كذلك تذكير بقوة الذاكرة، القادرة ليس فقط على حفظ التاريخ، بل أيضًا على المساهمة في بناء عالم أكثر مسؤولية.











