كتبت: علياء الهواري
في لحظة يترنح فيها سوق الطاقة العالمي تحت وقع الحرب وإغلاق الممرات البحرية وارتفاع أسعار الخام إلى مستويات مقلقة، فجّرت الإمارات واحدة من أكثر المفاجآت إرباكًا داخل المنظومة النفطية بإعلان خروجها الرسمي من منظمة أوبك بعد عقود من العضوية، في خطوة اعتبرها مراقبون زلزالًا سياسيًا لا مجرد تعديل اقتصادي، خاصة أن أبوظبي تعد من أكبر المنتجين داخل التكتل وقد بررت القرار بأنه يخدم المصلحة الوطنية ويمنحها حرية أوسع في إدارة إنتاجها النفطي بعيدًا عن قيود الحصص الجماعية
هذا التطور فتح باب الأسئلة حول ما إذا كانت الهيمنة السعودية التقليدية على القرار النفطي الخليجي قد بدأت في التراجع، وما إذا كانت المنظمة التي طالما قُدمت باعتبارها صمام أمان لأسعار الطاقة تسير الآن نحو مرحلة تفكك غير مسبوقة.
وفي هذا السياق قالت الدكتورة نورا طارق معروف رئيس وحدة الشؤون العربية بمركز حورس للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن ما حدث لا يمكن قراءته باعتباره خلافًا تقنيًا على نسب الإنتاج فقط، بل هو انعكاس لتحول عميق في بنية القوة داخل الخليج، موضحة أن السعودية ظلت لعقود تمسك بمفتاح التوازن داخل أوبك عبر قدرتها الإنتاجية الضخمة وطاقة المناورة المالية، لكن الإمارات خلال السنوات الأخيرة انتقلت من موقع الشريك المنضبط إلى موقع اللاعب الذي يريد صياغة قواعده بنفسه.
وأضافت في حوارها أن خروج الإمارات يمثل بداية أفول القيادة الأحادية داخل القرار النفطي الخليجي، لأن أبوظبي لم تعد ترى أن مصالحها يمكن أن تبقى رهينة للتوافقات السعودية، خصوصًا بعد أن ضخت استثمارات هائلة لتوسيع طاقتها الإنتاجية بينما كانت الحصص المفروضة تكبح الاستفادة الكاملة من هذه القدرات، وهو ما جعل قرار الانفصال يبدو أقرب إلى إعلان استقلال سيادي في ملف الطاقة منه إلى مجرد مراجعة اقتصادية.
وأكدت أن التبرير الإماراتي المرتبط بالمصلحة الوطنية صحيح من الناحية الاقتصادية، لأن كل مليون برميل إضافي يعني عشرات المليارات من الدولارات سنويًا، لكن قراءة التوقيت تكشف أن الرسالة سياسية بامتياز، فالإمارات أرادت أن تقول للرياض إنها لم تعد تقبل بقيود القيادة التقليدية، وأرادت أن تقول لطهران إنها تتحرك بمنطق المصلحة لا بمنطق الاصطفاف، كما أرادت أن تقدم نفسها لواشنطن والغرب باعتبارها المنتج الأكثر مرونة والقادر على التحرك سريعًا في أوقات اضطراب السوق.
وتابعت أن خطورة القرار لا تتوقف عند حدود العلاقة بين أبوظبي والرياض، بل تمتد إلى قلب أوبك نفسها، لأن خروج ثالث أكبر منتج داخل المنظمة يفتح شهية دول أخرى كانت تتذمر منذ سنوات من قيود الحصص، وهو ما قد يدفع العراق ونيجيريا وكازاخستان وغيرهم إلى البحث عن مساحات أوسع من التحرر، بما يهدد بتحول سياسة الالتزام الجماعي إلى مجرد عنوان شكلي. وكانت تقارير دولية قد أشارت بالفعل إلى أن خروج الإمارات شكّل ضربة ثقيلة لصورة أوبك ككتلة متماسكة، بينما حاولت المنظمة امتصاص الصدمة بإقرار زيادة رمزية في الإنتاج لإظهار أن التماسك لا يزال قائمًا رغم الشرخ الداخلي الواضح
وترى الدكتورة نورا طارق معروف أن أوبك فقدت بالفعل جزءًا كبيرًا من قدرتها التاريخية على التحكم المنفرد في الأسعار، لأن السوق لم يعد كما كان في سبعينيات القرن الماضي، فهناك النفط الصخري الأمريكي، وهناك العقوبات التي تعيد توزيع التدفقات، وهناك التحول العالمي المتسارع نحو الطاقة البديلة، وكلها عوامل جعلت المنظمة تنتقل من موقع المتحكم المطلق إلى موقع اللاعب الذي يحاول فقط تقليل الفوضى
وأشارت إلى أن الأخطر في المشهد الحالي هو احتمال أن تستغل الإمارات خروجها لرفع إنتاجها بمجرد انحسار أزمة التصدير، وهو ما قد يدفع السعودية بدورها إلى التحرك دفاعًا عن حصتها السوقية، وعندها سندخل في حرب أسعار جديدة تشبه ما جرى في أزمات سابقة لكن بنتائج أكثر اتساعًا، لأن العالم اليوم أكثر هشاشة اقتصاديًا وأكثر تأثرًا بأي قفزة أو انهيار في أسعار الطاقة.
وقالت إن حرب النفط المحتملة لن تكون مجرد معركة أرقام داخل الخليج، بل قد تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي كله، لأن أي انفلات في سياسة الإنتاج سيقود إلى تقلبات حادة بين موجات تضخم وانكماش، وسيمنح القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين والهند مساحة أوسع لإعادة ترتيب تحالفاتها الطاقوية بعيدًا عن القرار العربي الجماعي.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن ما نشهده الآن ليس نهاية أوبك كمنظمة فقط، بل نهاية عصر كانت فيه الدول النفطية العربية قادرة على إدارة السوق من خلال قرار موحد، أما المرحلة الجديدة فهي مرحلة السيادة الوطنية أولًا، حيث تتحرك كل دولة وفق حساباتها الخاصة حتى لو كان الثمن تفكيك آخر القلاع الجماعية في النظام النفطي العربي.











