تقرير : علياء الهواري
تبدو المنطقة اليوم وكأنها تقف على خيط رفيع للغاية يفصل بين انفجار واسع النطاق وبين تهدئة مؤقتة تُفرض بالقوة لا عبر الإرادة السياسية. مشهد يتكرر فيه التوتر العسكري والدبلوماسي في آن واحد، بحيث لم يعد من السهل الفصل بين ما هو استعداد للحرب وما هو ضغط تفاوضي بأدوات النار.
في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت المؤشرات بشكل لافت، بدءًا من التحركات العسكرية في أكثر من ساحة، مرورًا بتصريحات سياسية متشددة، وصولًا إلى عودة الحديث عن خطوط حمراء قد تُدفع باتجاه الانفجار إذا ما تم تجاوزها. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الأبرز حاضرًا بإلحاح هل نحن أمام حرب شاملة تقترب بهدوء أم أمام مفاوضات تُدار تحت تهديد السلاح
اللافت في المشهد أن جميع الأطراف تقريبًا تتصرف وكأن الحرب خيار مطروح، لكنها في الوقت ذاته تحاول إبقاء الباب مفتوحًا أمام الدبلوماسية. هذا التناقض ليس جديدًا في تاريخ الصراعات الكبرى، لكنه اليوم أكثر وضوحًا وحدة، بسبب تشابك الملفات من غزة إلى لبنان، ومن البحر الأحمر إلى إيران، وصولًا إلى الموقف الأمريكي الذي يلعب دور الوسيط والفاعل في الوقت نفسه
الولايات المتحدة من جانبها تتحرك وفق سياسة مزدوجة، فهي تعلن دعمها لحلفائها في المنطقة، وتُبقي في الوقت نفسه قنوات التواصل مفتوحة مع أطراف الخصومة الإقليمية. هذا التوازن الحرج يعكس رغبة في منع الانفجار، لكنه في الوقت ذاته يُستخدم كأداة ضغط لفرض شروط تفاوضية أكثر صرامة على الجميع
في المقابل، يبدو أن إيران تتحرك ضمن معادلة “الصبر الاستراتيجي” لكنها صبر مشروط بقدرة ردع واضحة. الرسائل الإيرانية في المرحلة الأخيرة حملت أكثر من إشارة إلى أن تجاوز خطوط معينة قد يدفع باتجاه ردود غير تقليدية، ما يعني أن هامش المناورة يتقلص تدريجيًا مع كل تصعيد جديد
أما إسرائيل، فهي تعيش حالة من إعادة تعريف لمفهوم الأمن القومي، حيث لم يعد الأمر مرتبطًا بجبهة واحدة، بل بعدة جبهات متزامنة. هذا التحول جعل الخطاب السياسي والعسكري أكثر حدة، وأكثر ميلاً لفكرة الضربة الاستباقية كخيار دائم وليس استثنائي
في الخلفية، تتحرك ملفات غزة ولبنان واليمن كجبهات متصلة بشكل غير مباشر، لكنها تؤثر على بعضها البعض بشكل واضح. أي تصعيد في مكان ينعكس على الآخر، وأي تهدئة في ساحة تُقابل غالبًا بتوتر في ساحة أخرى، وكأن المنطقة كلها باتت ساحة واحدة مفتوحة لا تقبل الفصل
الأخطر في المشهد الحالي ليس فقط احتمالية الحرب، بل حالة “اللايقين المستمر”، حيث لا أحد يستطيع الجزم بمسار الأيام القادمة. هذه الحالة بحد ذاتها تُعتبر عنصر ضغط كبير على الأسواق العالمية، وعلى الحسابات السياسية للدول الكبرى، وعلى استقرار الإقليم ككل
في هذا السياق، يمكن القول إن المنطقة لا تسير نحو حرب تقليدية واضحة المعالم، ولا نحو سلام مستقر، بل نحو نموذج ثالث أكثر خطورة وهو “إدارة الصراع المفتوح”. نموذج يقوم على التصعيد المحسوب، والردود المحدودة، والتهديد المستمر دون انفجار شامل، لكنه في الوقت ذاته قابل للتحول السريع إلى حرب واسعة إذا ما خرج أحد الأطراف عن قواعد الاشتباك غير المكتوبة
هذا النموذج يجعل من كل حادث صغير احتمالًا لأزمة كبيرة، ويجعل من كل تصريح سياسي شرارة محتملة، ويجعل من كل تحرك عسكري رسالة مزدوجة تحمل في طياتها التهديد والتفاوض في آن واحد
المعضلة الأساسية اليوم أن جميع الأطراف ترى أن الوقت ليس في صالحها، لكن لا أحد يملك رفاهية الذهاب إلى الحرب الشاملة بسهولة. فالحرب في هذا التوقيت ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل انهيار محتمل لمنظومة إقليمية ودولية معقدة، وانعكاسات اقتصادية وسياسية تتجاوز حدود المنطقة بكثير
حتى داخل العواصم المؤثرة، هناك إدراك متزايد بأن أي حرب واسعة لن تكون محدودة النتائج، بل قد تتحول إلى صراع طويل الأمد متعدد الجبهات، يصعب احتواؤه أو التنبؤ بمساره. ولذلك يتم اللجوء إلى أدوات الضغط القصوى بدلًا من الانفجار المباشر، في محاولة لفرض تسويات مؤجلة
لكن هذا لا يعني أن احتمالية الحرب مستبعدة، بل على العكس تمامًا، فكلما طال أمد التصعيد دون حل جذري، زادت فرص الانزلاق غير المقصود نحو مواجهة واسعة. التاريخ القريب للصراعات في المنطقة يؤكد أن الحروب لا تبدأ دائمًا بقرار مباشر، بل أحيانًا تبدأ بخطأ في الحسابات أو سوء تقدير في لحظة توتر
في النهاية، تبدو المنطقة وكأنها تعيش مرحلة “الضغط الأقصى” قبل لحظة القرار. إما أن تُفرض تسوية سياسية بالقوة، أو يُترك المجال لانفجار لا يمكن السيطرة عليه. وبين هذا وذاك، تبقى كل الأطراف في حالة استعداد، وكأن الجميع ينتظر من يضغط الزر أولًا
المشهد مفتوح على كل الاحتمالات، لكن المؤكد الوحيد حتى الآن أن المنطقة لم تعد في حالة استقرار هش، بل في حالة اشتباك سياسي وعسكري واقتصادي شامل، تتداخل فيه الحسابات بشكل يجعل الخط الفاصل بين الحرب والتفاوض شبه غير مرئي.











