كتبت : فاطمة بدوى
في ظل التحديات العالمية المتسارعة، برزت علاقة مصر مع مجموعة دول آسيان (ASEAN) كواحدة من أبرز الشراكات الاقتصادية الناشئة، تجمع بين قوة السوق المصرية الواعدة وديناميكية الاقتصادات الآسيوية المتفجرة. تضم آسيان عشر دول: إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، تايلاند، بروناي، فيتنام، لاوس، ميانمار، وكمبوديا، بإجمالي سكان يفوق 680 مليون نسمة وسوق يقدر بنحو 3.6 تريليون دولار أمريكي. أما مصر، فتمتلك موقعًا جيوسياسيًا حيويًا كبوابة لأفريقيا والشرق الأوسط، مع اقتصاد ينمو بنسبة 4.2% في 2025 وفقًا لصندوق النقد الدولي.
بدأت العلاقة الاقتصادية بين الطرفين بشكل ملحوظ منذ توقيع مذكرة تفاهم في 2017 بين مصر وآسيان لتعزيز التعاون التجاري، لكنها شهدت طفرة حقيقية في السنوات الأخيرة. في 2025، ارتفع حجم التبادل التجاري الثنائي إلى 4.2 مليار دولار، بزيادة 28% عن العام السابق، حسب بيانات وزارة التجارة والصناعة المصرية. يسيطر على هذا التبادل الصادرات المصرية من المنتجات الزراعية مثل البرتقال والفراولة (تصدر إلى فيتنام وتايلاند بنحو 300 مليون دولار سنويًا)، والمنسوجات، والمواد الكيميائية. أما الواردات من آسيان، فتشمل الإلكترونيات من ماليزيا وسنغافورة، والآلات من إندونيسيا، مما يعكس توازنًا نسبيًا في التدفقات.
أبرز مظاهر هذه العلاقة القوية هو الاستثمارات المباشرة. بلغت استثمارات آسيان في مصر أكثر من 1.5 مليار دولار حتى نهاية 2025، مع تركيز على قطاعات الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية. على سبيل المثال، وقعت شركة “بتالينغ” الماليزية اتفاقية بقيمة 500 مليون دولار لإنشاء مصنع للطاقة الشمسية في بني سويف، جزء من رؤية مصر 2030 للطاقة النظيفة. كذلك، استثمرت فيتنام 300 مليون دولار في مشاريع زراعية بالدلتا الجديدة، مستفيدة من خبرة مصر في الري الحديث. وفي خطوة استراتيجية، أعلنت سنغافورة في قمة شراكة القاهرة 2025 عن تمويل 200 مليون دولار لتطوير البنية التحتية في قناة السويس الاقتصادية، التي أصبحت مركزًا لوجستيًا يربط آسيان بأوروبا وأفريقيا.
تلعب قناة السويس دورًا محوريًا في تعزيز هذه الشراكة. مع مرور 18 مليار طن من البضائع عبرها في 2025، أصبحت القناة ممرًا حيويًا لصادرات آسيان، خاصة إندونيسيا التي ترسل نفطها الخام بنسبة 15% عبرها. في المقابل، فتحت مصر أبوابها لشركات آسيانية لإنشاء مناطق صناعية مشتركة، مثل المنطقة الاقتصادية في العين السخنة، حيث بدأت تايلاند مشروعًا لتصنيع السيارات الكهربائية بقيمة 400 مليون دولار.
لم تقتصر الشراكة على التجارة والاستثمار؛ فقد امتدت إلى الاتفاقيات الثنائية والمتعددة. في نوفمبر 2025، وقعت مصر اتفاقية تجارة حرة مع آسيان ضمن إطار الاتحاد الأفريقي، مما يقلل الرسوم الجمركية بنسبة 40% على 5000 سلعة. كما عقدت قمة افتراضية في يناير 2026 بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورؤساء دول آسيان، ركزت على التعاون في مجال الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية. هذه القمة أسفرت عن بروتوكول لتدريب 50 ألف شاب مصري على الذكاء الاصطناعي بالشراكة مع سنغافورة، مما يعزز القدرات البشرية.
رغم هذه الإنجازات، تواجه العلاقة تحديات مثل الفجوة اللوجستية والحواجز التنظيمية. على سبيل المثال، ارتفاع تكاليف الشحن بسبب اضطرابات البحر الأحمر في 2024 أثر على 10% من التجارة، لكن مصر ردت بتوسيع قدرات ميناء العريش. كذلك، يسعى الجانبان لتجاوز الفروق الثقافية عبر برامج تبادل تجاري.
في الختام، تمثل علاقة مصر مع آسيان نموذجًا لشراكة جنوب-جنوب ناجحة، تدعم أهداف التنمية المستدامة وتوفر فرصًا للنمو المتبادل. مع توقعات بارتفاع التبادل إلى 7 مليارات دولار بحلول 2030، يبدو مستقبل هذه العلاقة واعدًا، خاصة مع دور مصر كجسر حضاري يربط الشرق بالغرب.











