حوار : علياء الهواري
في الوقت الذي تتواصل فيه الحرب على قطاع غزة، لم تعد المعركة تدور فقط حول الميدان والعمليات العسكرية، وإنما امتدت إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية: المعلومات والأمن والقدرة على الوصول إلى القيادات ومراكز القرار.
ومع تصاعد عمليات استهداف قيادات في المنظومة الأمنية داخل القطاع، تطرح هذه الضربات أسئلة شائكة حول طبيعة المعلومات التي يمتلكها الاحتلال، ومصادرها، وما إذا كانت تشير إلى اختراقات أمنية من داخل غزة أم إلى تفوق تقني واستخباري إسرائيلي واسع.
في هذا الحوار، يرد حازم قاسم، الناطق باسم حركة حماس، على هذه التساؤلات، ويتحدث عن حقيقة ما إذا كانت الاغتيالات تستهدف إعادة تشكيل قيادة الحركة، وموقف حماس من إدارة المرحلة الحالية، وما إذا كان هناك خلاف داخل الحركة بشأن استمرار المواجهة أو الذهاب نحو مرونة أكبر في التفاوض.
كما يتحدث قاسم عن رؤيته لأهداف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من استمرار الحرب، وما إذا كان يريد تغيير الطرف الفلسطيني الذي يجلس أمامه على طاولة المفاوضات أم يسعى إلى إنهاء وجود أي طرف فلسطيني قادر على التفاوض من الأساس، متهمًا إسرائيل بالسعي إلى «طمس الوجود الفلسطيني».
الاحتلال لم يعد يكتفي باستهداف الصف السياسي أو العسكري، بل وصل إلى قيادات في المنظومة الأمنية داخل غزة.. هل لديكم اعتقاد بأن إسرائيل حصلت على معلومات من داخل القطاع؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل نحن أمام اختراق أمني أم انهيار في منظومة السرية داخل الحركة؟
حازم قاسم: قد أكون شرحت الواقع الأمني الموجود في قطاع غزة وقدرة الاحتلال على الحصول على معلومات عبر كل الأجهزة الإلكترونية المتطورة. الاحتلال لديه طائرات الاستطلاع التي تغطي قطاع غزة، وطائرات الكواد كابتر، وهناك مناطيد تجسس تُرفع على الحدود في المنطقة الصفراء، ويزرع أجهزة تجسس داخل قطاع غزة عن طريق العملاء أو في الأماكن التي كان يجتاحها.
الاحتلال لديه قدرات كبيرة في هذا المجال، ولا يتعلق الأمر بشبكة اتصالات داخل حماس أو غير شبكة اتصالات.
الاحتلال الإسرائيلي وعلى مدار الحرب كان يحاول الحصول على معلومات متعلقة مثلاً بالأسرى، ولم يحصل على هذه المعلومات، ولم تكن له هذه النفاذية.
وبالمناسبة، أن تكون عملية مثل عملية اختطاف قطاع الأمن الداخلي في قطاع غزة بعد كل هذا الدمار الحاصل في القطاع، وبعد كل هذه الفوضى، واستهداف العناصر الأمنية بشكل مستمر، وقصف المواقع، وقتل القيادات، وقصف الحواجز، إذن هذه كلها تقول إن هناك استهدافًا للحالة الأمنية، والأمر لا يتعلق باختراقات أو خلافه.
وبالتأكيد، قائد بحجم جهاز الأمن الداخلي لديه معلومات متعلقة بالأوضاع الداخلية في قطاع غزة، وليست معلومات عسكرية ولا متعلقة بالمقاومة أو خلافه، هو جهاز أمن داخلي لا أكثر ولا أقل، ولا علاقة له بالمقاومة.
في الكواليس، هل اغتيال القيادات خلال هذه المرحلة هدفه فقط تصفية قادة حماس، أم أن إسرائيل تحاول تحديد من يمكن أن يخلف هؤلاء القادة وصناعة خريطة جديدة للقيادة يمكن التعامل معها أو الضغط عليها مستقبلًا؟
حازم قاسم: الاحتلال بالفعل لديه سياسة واضحة لا يخفيها باجتثاث حركة حماس. هو أعلن عن ذلك منذ اليوم الأول بالقضاء على حركة حماس، بتدمير قدراتها العسكرية ومقدراتها الحكومية، كما أعلن حينها.
والأجهزة الأمنية تقع في قلب الإدارة الحكومية حسب تصنيف الاحتلال، وجرى استهدافها منذ اليوم الأول. قُصفت كل مقرات الأجهزة الأمنية بشكل كامل، وقُتل كل كوادر الداخلية تقريبًا، ووزارة الداخلية والشرطة والأجهزة الأمنية المختلفة، وأكثر من قائد للشرطة قتلوا.
الاحتلال قتل كل محافظي الشرطة في المحافظات المختلفة، إذن هو لديه سياسة ثابتة بتدمير منظومة الحكم في قطاع غزة، ويهدف أيضًا لإحلال الفوضى.
الاحتلال يرعى الفوضى بشكل كامل عبر تسليح الميليشيات العاملة في شرق غزة، وهدفها القيام بعمليات داخل القطاع بتشجيع الفوضى والفلتان، عبر استهداف كل دوريات الشرطة التي تخرج لفض المنازعات. وأيضًا حشر الناس في أقل من 30% من قطاع غزة يزيد من حدة هذه الفوضى والمشاكل، عدا عن أن هناك 100% بطالة في قطاع غزة وعدم إدخال المساعدات، وكلها تؤسس لحالة من الفوضى الكبيرة، والاستهداف يأتي في هذا الإطار.
الموضوع لا يتعلق باختراقات أو خلافه. الاحتلال يحتل 60% أو 70% من أراضي قطاع غزة، وهو على مقربة بشكل كبير من كل التجمعات السكانية.
حينما نقول 30%، فإن 30% من قطاع غزة فقط 360 كيلومترًا، يعني هو شريحة صغيرة، وحينما يحشر كل الناس في 30% فقط تصبح سيطرة الاحتلال على ما يجري في هذه المنطقة كبيرة.
الاحتلال لديه أجهزة متطورة وتقنية، وطائرات التجسس لا تغيب عن سماء قطاع غزة ولو لحظة، واستخدام الأقمار الصناعية. رصدنا في بداية الحرب أن هناك طائرات غير إسرائيلية، كانت تحديدًا بريطانية وأمريكية، تساعد الاحتلال في عمليات التجسس.
إذن نحن أمام قدرات استخبارية كبيرة لهذا العدو على المجال التقني، وأيضًا الأوضاع المنفلتة في قطاع غزة قد تساهم في بعض الأمور، والاحتلال ينجح أحيانًا بالفعل بالحصول على معلومات نتيجة قدراته الكبيرة، وقدراته على زرع أجهزة في داخل قطاع غزة، وتم اكتشاف العديد منها.
أيضًا الإخوة في قطاع الأجهزة الأمنية يتعاملون بمنطق مدني، بمعنى أن هذا قائد جهاز أمن داخلي، وهو جهاز مدني بالأساس، أمن مدني وليس له أي علاقة بعمل المقاومة، وبالتالي لا يتطلب كثيرًا من الاحتياطات.
هو لديه مكان يداوم فيه في العمل، ومكان يبيت فيه مع أهله، عشان هيك شفنا نحن أن الاغتيال تم في وسط أهله وعائلته وبيته، وهذا لا يدل بأي حال على اختراق أو خلافه.
طبعًا الاحتلال استخدم طائرات مسيرة مكثفة في المكان، وكان يعطي غطاء جويًا، وخرجت طائرات حربية في سماء قطاع غزة بشكل متزامن. كل هذه القدرات تقول إن ما يحدث ليس اختراقًا.
الاحتلال دمر كل شيء في قطاع غزة، ودمر كل البنى التحتية كي يسهل على نفسه مثل هذه الجرائم.
هناك فارق بين اغتيال قائد وبين اغتيال شخص يحمل مفاتيح معلومات حساسة.. هل بعض عمليات الاغتيال الأخيرة مرتبطة بما تعرفه إسرائيل عن شبكة الاتصالات والأمن داخل حماس أكثر مما هي مرتبطة بالقدرات العسكرية؟ وما الذي تخشونه تحديدًا من هذا النوع من الاستهداف؟
حازم قاسم: الاحتلال لا يسعى لصناعة خارطة جديدة للقيادات في حركة حماس أو خلافها. الاحتلال واضح أنه يريد أن يجتث حركة حماس بشكل كامل.
هو يقتل القيادات ويقتل العناصر، يقتل الأفراد، عدا بالتأكيد عن تعمده قتل المدنيين.
الاحتلال قتل أكثر من خمسة وسبعين ألف مواطن فلسطيني، وسبعون بالمائة منهم من النساء والأطفال والشيوخ.
أي أن هناك حرب إبادة، وبالتالي هو لا يعمل على هندسة أي شيء، هو يريد أن يجتث قطاع غزة وحركة حماس والمقاومة.
وهذا أيضًا نسمعه بشكل مستمر من وزير الدفاع الإسرائيلي، وزير الحرب الإسرائيلي، حين يتحدث عن تهجير أهالي قطاع غزة، وبن غفير يطرح خطة في هذا الأمر.
وبالتالي الأمر لا يتعلق بهندسة واقع، الأمر يتعلق بمحاولة محو هذه المنطقة من الخارطة، على المستوى الديموغرافي وحتى على المستوى الجغرافي.
هل تستطيع أن تقول بوضوح إن كل مراكز القرار داخل حماس متفقة على طريقة إدارة المرحلة الحالية؟ أم أن هناك داخل الحركة نقاشًا حقيقيًا بين تيار يرى ضرورة الاستمرار في المواجهة وتيار يرى أن الحفاظ على ما تبقى من قدرات الحركة يفرض مرونة أكبر في التفاوض؟
هناك إجماع داخل حركة حماس على ضرورة أن نصل إلى مرحلة إنهاء الحرب على قطاع غزة، ونزع الذرائع من الاحتلال لمنعه من إعادة الحرب على القطاع، وأن تعافي غزة هو أولوية.
وهذا أمر متفق عليه بيننا، كل المكونات الحركية.
وأيضًا هذا نؤكده في كل مرة عن التزامنا باتفاق وقف إطلاق النار، ودعوتنا للوسطاء بالتحرك لإلزام الاحتلال بتطبيق المرحلة الثانية التي توافقنا فيها مع مجلس السلام، حينما تم الوصول إلى خارطة طريق مع الميدانوف والوسطاء: مصر وقطر وتركيا.
وبالتالي هناك توجه واضح بإعادة ترتيب الأوضاع الداخلية في الشأن الفلسطيني، وأولوية لتعافي قطاع غزة وعدم عودة الحرب، ونزع كل الذرائع حتى نبدأ بعملية إعمار حقيقية للقطاع، أو يبدأ العالم بواجبه بإعمار قطاع غزة.
هل الاغتيالات الأخيرة جاءت في توقيت تفاوضي مقصود؟ بمعنى آخر: هل تحاول إسرائيل عبر ضرب شخصيات بعينها تغيير ميزان القوة داخل غرفة المفاوضات، وإعادة تشكيل الطرف الذي ستجلس معه غدًا؟ ومن برأيكم يريد نتنياهو أن يكون موجودًا على الجانب الآخر من الطاولة؟
حازم قاسم: أنا برأيي، والواقع يؤكد ذلك، أن نتنياهو لا يريد أي طرف آخر أمامه في المفاوضات.
نتنياهو يريد أن يقضي على كل الحالة الفلسطينية. هو يقتل من يفاوضه، قتل قبل ذلك القائد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي، في خضم المفاوضات.
وقصف في الدوحة الوفد الذي كان يفاوض الوسطاء برئاسة الدكتور خليل الحية.
هو المعني بقتل كل ما هو متعلق بالمقاومة وحركة حماس، بل بالشعب الفلسطيني.
لا يريد طرفًا آخر مقابله، هو يريد هزيمة واستسلامًا كاملًا للشعب الفلسطيني.
وليس أدل على ذلك من أنه أصلًا لا يرى مثلاً في السلطة الفلسطينية أنها طرف مقابل.
يعني الرئيس عباس، اللي بيأخذ كل المواقف المطلوبة إسرائيليًا وكل الخطوات المطلوبة دوليًا، والتزامه بالاتفاقات والتنسيق الأمني وكل هذا الأمر، هو نتنياهو يقول ليس هناك طرف فلسطيني مقابل.
يعني حتى الرئيس عباس أو نائبه حسين الشيخ، هو لا يرى فيهم أصلًا أطرافًا للتفاوض.
ويقول لا فتح ستان ولا حماس ستان وعدم إقامة دولة، وهناك في حكومته من يدعو إلى هدم السلطة واعتقال أبو مازن، برغم من كل مواقفه المتساهلة المرنة.
وبالتالي الاحتلال دخل في مسار متعلق بطمس الوجود الفلسطيني، وليس تغيير الطرف المقابل له في المفاوضات.
إذا كانت إسرائيل تعرف أسماء ومواقع قيادات أمنية داخل غزة وتصل إليهم تباعًا، فهل المشكلة اليوم في قدرة حماس على الرد فقط، أم أن المعركة الأخطر أصبحت معركة «من يملك المعلومات»؟ وهل هناك مراجعة داخلية جارية لمعرفة من أين تصل هذه المعلومات إلى الاحتلال؟
حازم قاسم: بالتأكيد بعد كل حدث هناك استخلاص للعبر على المستوى الميداني والمستوى الفني والتقني.
كما قلنا، الاحتلال يحاصر غزة بفرقتين عسكريتين كبيرتين، والاحتلال لديه جهد استخباري ومتابعة لكل ما يحدث في قطاع غزة وعلى مدار الساعة، وهناك من يساعده من أطراف خارجية.
نعم، هناك التزام من حركة حماس بوقف إطلاق النار. الاحتلال يستغل هذا الالتزام لتصعيد عدوانه وتصعيد حربه على ما هو قائم في قطاع غزة.
هذه المسؤولية والرد ليست على حركة حماس، هي مسؤولية الوسطاء: مصر وقطر وتركيا، وبالدرجة الأولى الإدارة الأمريكية ومجلس السلام، بأن يمنع الاحتلال من استمرار هذه الخروقات.
ما حدث هو خرق واضح وفاضح لاتفاق وقف إطلاق النار.
ما حدث يتحمل مسؤوليته مجلس السلام وميلدانوف، الذي لا يشير بإصبع الاتهام مباشرة إلى الطرف المعطل، وهو الاحتلال الذي يرتكب هذه الجرائم.
وبالتالي مسؤولية الرد تقع أيضًا على الإدارة الأمريكية، ومجلس السلام، وميلدانوف، والوسطاء الذين يرعون هذا الاتفاق.











