كتبت: فاطمة بدوى
يصادف عام ٢٠٢٦ الذكرى السنوية السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية وجمهورية مصر العربية. على مدى سبعين عاماً، وقفت الصين ومصر جنباً إلى جنب في السراء والضراء، كما واصلت هاتان الحضارتان العريقتان حوارهما العابر للزمان والمكان. وانطلاقاً من روابط تاريخية راسخة، عمق البلدان التعاون والتكامل في مسيرة التنمية، ليسطرا في إطار البناء المشترك لمبادرة “الحزام والطريق”، فصلاً جديداً من التعاون القائم على المنفعة المتبادلة والكسب المشترك.
في قلب الصحراء، شرق القاهرة، تنهض منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الجديدة. وهي مشروع بارز شهد رئيسا البلدين توقيع عقود تنفيذه، ويجسد المواءمة الفعالة بين مبادرة “الحزام والطريق” و”رؤية مصر ٢٠٣٠”. كما يعد تجسيداً حياً للشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر، وصرحاً للصداقة شيده بناة البلدين بجهودهم المشتركة.
تلاقي الأهداف.. مدينة تنهض في الصحراء
تقع مصر عند ملتقى قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمثل حلقة وصل محورية بين العالم العربي والقارة الأفريقية، لها أهمية بالغة في دفع مسيرة التنمية الإقليمية. مع النمو المتسارع للسكان وتزايد وتيرة التحول الحضري، باتت القدرة الاستيعابية للقاهرة القديمة محدودة، وأصبح الارتقاء بالمدينة ضرورة ملحة. في عام ٢٠١٥، أعلنت الحكومة المصرية رسمياً عن مخطط العاصمة الجديدة، سعياً إلى إنشاء مركز إداري جديد يجمع بين التخطيط العلمي والوظائف المتكاملة والتقنيات الخضراء والتقنيات الذكية.
ومن المنتظر أن تضطلع العاصمة الجديدة بدور مهم في إدارة الدولة والارتقاء بالاقتصاد ودفع مسيرة التحول الحضري، بما يلبي تطلعات الحكومة المصرية والشعب المصري.
في عام ٢٠١٦، وبحضور رئيسي البلدين، تم توقيع عقود تنفيذ مشروع منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الجديدة، الذي تتولى تنفيذه الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية المعروفة اختصاراً ب “CSCEC”، بمشاركة الشركة الصينية العامة للهندسة المعمارية CSCEC مصر. يبلغ إجمالي قيمة عقد المشروع ٣,٨٦٣ مليار دولار أمريكي، ويغطي المشروع مساحة إجمالية تبلغ ٦٢٧ ألف متر مربع، فيما تبلغ مساحة البناء الإجمالية ١,٩٢ مليون متر مربع.
يضم المشروع البرج الأيقوني، الذي يبلغ ارتفاعه ٣٨٥,٨ متراً ويعد أطول مبنى في إفريقيا، وعشرة أبراج إدارية، وخمسة أبراج سكنية فاخرة، وأربعة فنادق دولية، إلى جانب المرافق البلدية ومنشآت الطاقة. كذلك، يعد هذا المشروع أكبر مجمع عمراني متكامل تنفذه شركة صينية في مصر حتى الآن، والأكثر تنوعاً من حيث الوظائف والاستخدامات.
من صحراء مترامية الأطراف إلى مدينة حديثة، لا يمثل هذا التحول مجرد إعادة رسم الخريطة العمرانية لمصر، بل يجسد أيضاً تلاقي الرؤى التنموية وتكاملها. وقد أشاد الرئيس عبد الفتاح السيسي مراراً بمشروع منطقة الأعمال المركزية، واصفاً إياه بأنه “هرم العصر الجديد في مصر” و”قاطرة التنمية المستقبلية لمصر”، بما يبرز بوضوح ما يحمله المشروع من أهمية إستراتيجية في مسيرة التحديث التي تشهدها مصر.
يداً بيد لتجاوز التحديات.. مسيرة التعاون لبناء مشروع نموذجي
يقع المشروع في بيئة صحراوية قاسية، حيث درجات الحرارة شديدة الارتفاع والعواصف الرملية متكررة والظروف الجيولوجية معقدة. ولم تقتصر التحديات على ذلك فقط، بل شملت أيضاً المواءمة بين المعايير والمواصفات الصينية والأوروبية والأمريكية، وإدارة الفرق المتعددة الثقافات، وضمان استقرار سلاسل التوريد. وفي مواجهة هذه التحديات، التزم البناؤون الصينيون والمصريون بمبدأ “التشاور المشترك والبناء المشترك والاستفادة المشتركة”، واستفادوا من المزايا الصينية في التكنولوجيا والإدارة، مع دمج الموارد والخبرات المحلية على نحو عميق.
وعلى أساس من الثقة والتعاون الوثيق، أرسى الجانبان نموذجاً بارزاً يقوم على “التخطيط والتنفيذ والإدارة المشتركة”، وفتحا بذلك مساراً يحقق المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.
على صعيد التنظيم والتنسيق، أنشأ المشروع منظومة عمل فعالة تقوم على “الإدارة الصينية- المصرية المشتركة، والتنسيق المتكامل بين الجهات داخل المنظومة وخارجها، ودمج الموارد المحلية”. وفي إطار هذه المنظومة، تبلور نمط إداري يقوم على “التنسيق العام عبر منصة موحدة، والدعم الفني المتخصص، وتحديد المسؤوليات بشكل واضح”.
كما أقام المشروع علاقات تعاون مستقرة وطويلة الأمد مع أكثر من ٤٠٠ مقاول من الباطن من الشركات المتخصصة المحلية، وأكثر من ٦٠٠ مورد لمواد البناء، مما ساهم في تعزيز اندماج الشركات والصناعات المحلية في سلسلة تنفيذ المشروع، وتشكيل شبكة متكاملة للتعاون الصناعي تغطي جميع المراحل، من التصميم والبناء إلى الخدمات اللوجستية وتوريد مواد البناء.
وعلى صعيد الاختراق التقني، استفاد المشروع على نطاق واسع من التقنيات والمعدات الصينية المتقدمة. ففي عملية بناء البرج الأيقوني، تم استخدام خرسانة عالية المقاومة من فئة C80، كما طبق تصميم خاص لمقاومة الزلازل في المباني الفائقة الارتفاع، إلى جانب التقنيات الأساسية الأخرى.
وأتاح المشروع إدخال منظومة صينية متكاملة لتشييد المباني الفائقة الارتفاع إلى مصر، تضم تقنيات الفحوصات المخبرية ومعدات التشييد وكيفية تشغيلها، فضلاً عن الحلول المتكاملة لتطبيق أنظمة الجدران الستائرية. كما اعتمدت وزارة الإسكان المصرية أساليب التنفيذ المستخدمة في المشروع نموذجاً مرجعياً لقطاع المباني الفائقة الارتفاع في مصر.
نجح المشروع في إنشاء مجمع عمراني حديث ومستدام، انطلاقاً من مفاهيم المباني الخضراء والتشييد الذكي، واستناداً إلى استخدام مواد موفرة للطاقة وتطبيق أنظمة تجميع مياه الأمطار وتقنيات التشغيل والصيانة الذكية، فأصبح نموذجاً بارزاً يسهم في الارتقاء بقطاع البناء في مصر.
وعلى صعيد التكامل الإداري، حرص المشروع على تحقيق “التكامل بين الأنظمة، والتقارب بين الثقافات، والتنمية المشتركة للكفاءات”. كذلك تم إنشاء فريق صيني- مصري للإدارة المشتركة، مع آلية التواصل باللغتين الصينية والعربية، حيث تعاون الموظفون من الجانبين بشكل وثيق في تحسين التصاميم وتنظيم أعمال التشييد وإدارة السلامة، وغيرها من مراحل تنفيذ المشروع.
وخلال الفترة من عام ٢٠٢١ إلى عام ٢٠٢٥، ارتفعت نسبة المصريين العاملين ضمن فريق المشروع بشكل مطرد، إذ وصلت نسبة الموظفين الإداريين المصريين إلى ٦٢٪، بينما وصلت نسبة العمالة المحلية إلى ٧٢٪. هكذا وفر المشروع بشكل مباشر وغير مباشر نحو ٢٠٠ ألف فرصة عمل للمصريين، وساهم بذلك في تنشيط السلاسل الصناعية المرتبطة بالمشروع، وتحسين مستوى معيشة أبناء المنطقة.
قال وليد، وهو مهندس مصري شارك في تصميم هيكل البرج الأيقوني: “من مناقشة الرسومات الهندسية إلى التنفيذ الفعلي، كان الزملاء الصينيون ينقلون لي كل ما لديهم من خبرة ومعرفة، مما ساعدني على فهم منطق تصميم المباني الفائقة الارتفاع.” كما قال أحمد، وهو فني مصري شارك في المشروع: “لم يقتصر هذا المشروع على تشييد المباني الشاهقة، بل نقل لنا أيضاً تقنيات متقدمة، وفتح أمامي وأمام زملائي آفاقاً مهنية أوسع.” كان أحمد عاملاً عادياً في المشروع، ثم أصبح أحد الكوادر الأساسيين في فريق الأعمال الكهروميكانيكية، بعد أن تلقى تدريبات منهجية، وهو قادر الآن على قيادة فريقه بصورة مستقلة لإنجاز العمليات الفنية المعقدة.
بعد سنوات من الجهود المتواصلة، دخل المشروع مراحله النهائية تمهيداً لتسليمه، حيث اجتازت كافة المباني المكتبية العشرة فحص المكتب الاستشاري المشرف، منها ست بنايات حصلت على شهادات التسليم. كما تم اختبار أنظمة الحماية من الحريق في أحد المباني السكنية، وهو بانتظار صدور الشهادة من إدارة الحماية المدنية، فيما تنتظر المباني السكنية الأربعة الأخرى إجراء الاختبار.
وفي البرج الأيقوني والبرج الهلالي، تتواصل أعمال تركيب قطع الأثاث الثابتة واختبار الأنظمة الكهروميكانيكية في مناطق تداخل الأعمال بين المقاولين من الباطن الفرعيين. مع اكتمال هذه الأعمال تدريجياً، ينهض مركز يجمع بين الحداثة والوظيفة العملية، ليصبح معلماً جديداً للإدارة والتجارة والتبادل الثقافي في مصر.
تواصل القلوب.. جسر صداقة تتوارثه الأجيال
يتجاوز مشروع منطقة الأعمال المركزية حدود التعاون في مجال التشييد والبناء، ليصبح جسراً لتواصل الحضارات والتقارب بين الشعبين. كما تواصل شركة CSCEC مصر السعي من أجل تحقيق هدفها المتمثل في “توسيع آفاق السعادة”، وتحرص على تنظيم التدريب التقني وتعزيز التبادل الثقافي وتحقيق المسؤولية الاجتماعية خلال تنفيذ المشروع. تمضي الصين ومصر جنباً إلى جنب في مسيرة العمل المشترك، بما يعود بالنفع على المجتمع المحلي ويوطد أواصر الصداقة بين البلدين.
تحرص شركة CSCEC على تأهيل الكفاءات المحلية. خلال فترة تنفيذ المشروع، نظم معهد “لوبان”، وهو أول معهد من نوعه أنشأته شركة CSCEC في مصر للتدريب المهني، أكثر من مائتي دورة تدريبية متخصصة في تشييد المباني الفائقة الارتفاع، وتركيب الأنظمة الكهروميكانيكية، وإدارة المشروعات وغيرها من التخصصات، وساهم بذلك في تأهيل أكثر من ستة آلاف فني وعامل صناعي مصري.
من خلال برنامج “المرشد والمتدرب” ومسابقات المهارات، ساعدت الشركة موظفيها المصريين على تطوير قدراتهم، فانتقلوا من قراءة الرسومات الهندسية إلى فهم التقنيات، ومن العمل تحت توجيه الآخرين إلى إنجاز المهام بصورة مستقلة، فأصبحوا أكفاء بارزين. كما قالت حنان، وهي موظفة مصرية تتمتع بخبرة مهنية تمتد ستة وثلاثين عاماً: “شركة CSCEC لم تشيد مباني شاهقة فحسب، وإنما أيضاً منحتنا مهارات وفرصاً غيرت مسار حياتنا.”
وتسعى شركة CSCEC إلى تعزيز الحوار الحضاري من خلال أشكال متعددة من التواصل. فقد أنشأت منظومة إعلامية دولية تغطي سبع منصات رئيسية، من بينها فيسبوك وإكس ويوتيوب، استقطبت أكثر من ١,٦ مليون متابع، فيما تجاوز إجمالي المشاهدات ٢٩٠ مليون مشاهدة. كما أطلقت سلسلة من مقاطع الفيديو القصيرة، من بينها “أنا جسر للصداقة المصرية- الصينية” و”أتعلم اللغة الصينية في العاصمة الإدارية الجديدة”، بما أتاح للجمهور المحلي التعرف على تطورات المشروع عن قرب والشعور بالصداقة بين الشعبين الصيني والمصري بشكل مباشر. كما أصدرت الشركة كتاباً باللغتين الصينية والعربية، بعنوان “الصداقة العميقة تروي الصحراء”.











