كتبت: فاطمة بدوى
هناك شعوب تحافظ على تاريخها في الكتب، وشعوب تحافظ عليه بالغناء والرقص والموسيقى. والأرمن من الشعوب التي اختارت الطريقين معًا، لذلك لا تكون أمسياتهم الفنية مجرد حفلات، وإنما مناسبة يتجدد فيها التراث أمام الأجيال الجديدة.
وهذا ما قدمه المهرجان الصيفي لفرقة سارداراباد، الذي نظمته الجمعية الثقافية الأرمنية “هوسابير” على مسرح المركز الثقافي الروسي بالقاهرة، في أمسية حملت الجمهور في رحلة بين التراث الأرمني وبعض ملامح الثقافة الروسية.
منذ اللحظات الأولى، كان واضحًا أن الهدف لم يكن تقديم رقصات متتالية فقط، بل رسم صورة متكاملة عن الثقافة الأرمنية. فعلى شاشة المسرح ظهرت صور لكنائس تاريخية وقلاع ومناظر طبيعية من أرمينيا، بينما كانت الفرق تقدم لوحات فنية تنوعت بين الرقصات الشعبية والعروض الغنائية.
وشهد الحفل مشاركة لافتة للأطفال، الذين قدموا عددًا من الرقصات الفلكلورية بالأزياء التقليدية، في مشهد يعكس اهتمام الجالية الأرمنية بالحفاظ على تراثها، ونقله إلى الأجيال الجديدة بنفس الشغف الذي حافظ عليه الآباء والأجداد.
وتضمن البرنامج كذلك عددًا من اللوحات الراقصة ذات الطابع المسرحي، من بينها لوحة The Cross Stealer، التي اعتمدت على الأداء التعبيري والأزياء الدرامية، وفقرات الباليه، إلى جانب الرقصات الشعبية الأرمنية التقليدية مثل Kochari، إحدى أشهر الرقصات الشعبية الأرمنية وأكثرها ارتباطًا بالهوية الوطنية. وتتميز هذه الرقصة بحركاتها الجماعية وإيقاعها القوي، وتعبر عن روح التعاون والقوة، ولذلك ما زالت حاضرة في الاحتفالات والمناسبات الأرمنية حتى اليوم، كما أدرجتها اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي.
ولم تقتصر الأمسية على التراث الأرمني فقط، بل شهدت أيضًا عددًا من الفقرات الروسية، من بينها رقصة White Swan المستوحاة من فن الباليه الكلاسيكي، إلى جانب أغان باللغة الروسية، وهو ما أضفى على الحفل تنوعًا جميلًا، وعكس فكرة التقارب الثقافي التي حملتها الأمسية.
اللافت أيضًا أن كل فقرة بدت وكأنها جزء من حكاية واحدة، فلم يشعر الجمهور بأنه يشاهد عروضًا منفصلة، بل رحلة تنتقل بين الموسيقى والرقص والصورة، لتقدم جانبًا من ثقافة شعب حافظ على هويته عبر عقود طويلة.
واختُتمت الأمسية بكلمة للمطران أشود منتسكانيان، كما شهدت تكريم جميع المشاركين والقائمين على تنظيم الحفل، إضافة إلى تكريم مدير المركز الثقافي الروسي، وسط أجواء من التقدير والتصفيق.
ربما انتهت الأمسية بإسدال الستار، لكن الرسالة التي حملتها بقيت حاضرة؛ فالثقافة لا تعيش في الكتب وحدها، بل تعيش أيضًا على خشبة المسرح، وفي الموسيقى، وفي رقصة يتوارثها الأبناء عن الآباء، جيلاً بعد جيل.











