حوار: علياء الهواري
في الوقت الذي تتسع فيه رقعة التوترات الدولية من الحرب الروسية الأوكرانية إلى الحرب في غزة والتصعيد المستمر في الشرق الأوسط كان من المتوقع أن يواصل الذهب صعوده باعتباره الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن الأمان في أوقات الأزمات لكن الأسواق فاجأت الجميع بمشهد مختلف بعدما دخل المعدن الأصفر في موجة تراجع أثارت تساؤلات واسعة حول مستقبل الأسعار وحقيقة العلاقة بين الحروب والذهب في عالم بات أكثر تعقيدا من أي وقت مضى
هذا التراجع جاء في لحظة حساسة تشهد فيها المنطقة والعالم تحولات سياسية واقتصادية متسارعة كما تتزايد المخاوف من احتمالات اتساع الصراعات العسكرية وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والتجارة الدولية الأمر الذي دفع الكثير من المستثمرين والمتابعين إلى البحث عن تفسير منطقي لما يحدث داخل سوق الذهب
في هذا الحوار يتحدث الباحث في الاقتصاد السياسي الدكتور رؤوف حسين عن الأسباب الحقيقية وراء تراجع الذهب رغم اشتعال بؤر التوتر العالمية ويشرح كيف أصبحت الأسواق تسعر الاحتمالات المستقبلية أكثر من الأحداث الجارية كما يقدم رؤية شاملة لمستقبل المعدن الأصفر في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتصاعد الحديث عن إعادة تشكيل النظام المالي العالمي وتراجع الهيمنة المطلقة للدولار
سألناه في البداية إذا كانت الحروب عادة تدفع الذهب إلى الصعود فلماذا نشهد اليوم تراجعا في الأسعار رغم أن العالم يعيش على وقع أزمات مفتوحة من غزة إلى أوكرانيا
وتوترات الشرق الأوسط وهل فقد الذهب جزءا من مكانته كملاذ آمن
فأوضح أن من الخطأ الاعتقاد بأن التراجع الأخير في أسعار الذهب يعني فقدانه لدوره التاريخي مؤكدا أن المعدن الأصفر لا يزال يحتفظ بجاذبيته لدى المستثمرين في أوقات الأزمات لكنه يواجه حاليا ضغوطا استثنائية ناجمة عن ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية الحقيقية
وأضاف أن الأسواق العالمية شهدت خلال الأشهر الأخيرة مفارقة لافتة إذ استمرت الحروب والتوترات الجيوسياسية في التصاعد بينما اتجه الذهب إلى مسار هبوطي حاد فاقدا أكثر من عشرين بالمئة من قيمته مقارنة بالذروة التاريخية التي سجلها مطلع عام 2026 مشيرا إلى أن هذا التراجع لم يكن نتيجة انحسار المخاطر السياسية بل بسبب تداعيات تلك الأزمات نفسها على الاقتصاد العالمي
وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط والطاقة الناتج عن التوترات الجيوسياسية أعاد الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الأمريكي وهو ما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية الأمريكية وتوقع استمرار أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول الأمر الذي عزز جاذبية السندات والأدوات المالية ذات العائد الثابت مقارنة بالذهب الذي لا يحقق عائدا دوريا لحائزيه
وحول ما إذا كان انخفاض الذهب يعكس تراجعا في احتمالات اندلاع حرب إقليمية شاملة قال إن الأسواق لا تتحرك وفق منطق اليقين بل تعتمد على تسعير الاحتمالات المستقبلية موضحا أن المستثمرين لا يرون حاليا أن الحرب الإقليمية الواسعة هي السيناريو الأكثر ترجيحا رغم إدراكهم الكامل لوجود مخاطر قائمة
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لا تبدو راغبة في الانخراط بحرب مباشرة واسعة مع إيران كما تدرك طهران بدورها حجم الكلفة التي قد تترتب على أي مواجهة شاملة بينما تسعى دول المنطقة إلى احتواء التوترات ومنع تحولها إلى صراع مفتوح يهدد استقرار أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي
وأكد أن الأسواق تميل حاليا إلى تسعير سيناريو إدارة التوترات واحتوائها أكثر من تسعير سيناريو الحرب الشاملة لكنها تبقى عرضة للمفاجآت إذ أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن حدثا واحدا قد يكون كافيا لقلب جميع التوقعات وإعادة تسعير الأصول العالمية خلال ساعات قليلة
وعن تأثير أي تصعيد محتمل بين إيران وإسرائيل أو في البحر الأحمر على سوق الذهب أوضح أن منطقة الشرق الأوسط أصبحت أحد أهم المحركات المؤثرة في حركة المعدن الأصفر نظرا لارتباطها المباشر بأسواق الطاقة العالمية
وأضاف أن أي سيناريو يتضمن إغلاق مضيق هرمز أو استهداف منشآت نفطية رئيسية أو اندلاع مواجهة عسكرية واسعة قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة وسريعة في أسعار الذهب نتيجة انتقال المستثمرين إلى الأصول الآمنة وسط موجات من القلق وعدم اليقين
لكنه شدد في الوقت نفسه على أن العلاقة بين الحروب والذهب لم تعد بسيطة كما كانت في الماضي إذ قد يؤدي التصعيد العسكري إلى ارتفاع التضخم وبالتالي دفع البنوك المركزية نحو مزيد من التشدد النقدي وهو ما قد يحد لاحقا من مكاسب الذهب لذلك أصبحت حركة الأسواق أكثر تعقيدا وتعتمد على تفاعل مجموعة كبيرة من العوامل المتشابكة
وفيما يتعلق بالحديث المتزايد عن إعادة تشكيل النظام المالي العالمي وتراجع الهيمنة المطلقة للدولار قال إن هذا الملف يعد من أهم العوامل الداعمة للذهب على المدى الطويل
وأوضح أن العقوبات الغربية على روسيا وما تبعها من تجميد جزء من الأصول الروسية دفعت عددا كبيرا من البنوك المركزية إلى إعادة النظر في هيكل احتياطياتها الدولية والبحث عن أدوات تحفظ استقلاليتها المالية بعيدا عن التأثيرات السياسية
وأضاف أن الذهب استفاد بشكل مباشر من هذا التحول حيث اتجهت العديد من الدول إلى زيادة مشترياتها من المعدن الأصفر باعتباره أصلا استراتيجيا لا يرتبط بقرارات دولة بعينها ولا يمكن تجميده أو التحكم فيه بنفس السهولة التي تخضع لها الأصول المقومة بالدولار
وأكد أن استمرار هذا الاتجاه قد يجعل الذهب أحد أكبر الرابحين خلال السنوات المقبلة خاصة إذا تسارعت خطوات تنويع الاحتياطيات الدولية وتقليص الاعتماد على الدولار في المعاملات والتبادلات التجارية العالمية
وعن استمرار البنوك المركزية في شراء الذهب رغم تراجع الأسعار أوضح أن هناك اختلافا جوهريا بين طريقة تفكير المستثمر الفرد والبنوك المركزية والمؤسسات السيادية
فالمستثمر الفرد غالبا ما ينشغل بحركة الأسعار اليومية وتوقعات الأشهر القليلة المقبلة بينما تبني البنوك المركزية قراراتها على رؤى تمتد لسنوات طويلة وتركز على إدارة المخاطر الاستراتيجية وحماية الاحتياطيات الوطنية
وأشار إلى أن استمرار الشراء الرسمي للذهب رغم موجات التراجع الحالية يعكس قناعة راسخة لدى تلك المؤسسات بأهمية المعدن الأصفر كأداة تحوط ضد المخاطر الجيوسياسية وتقلبات العملات وارتفاع مستويات الديون العالمية والتحولات الجارية في النظام المالي الدولي
وفي ختام الحوار قدم الدكتور رؤوف حسين تصوره لمستقبل الذهب حتى نهاية العام مؤكدا أن السيناريو الأكثر ترجيحا يتمثل في استمرار التذبذب خلال الأشهر المقبلة مع بقاء أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة واستمرار التوترات الجيوسياسية ضمن حدودها الحالية
وأضاف أن الذهب قد يستعيد جزءا من زخمه في الربع الأخير من العام إذا بدأت الأسواق في توقع سياسة نقدية أكثر مرونة أو إذا شهد الشرق الأوسط تصعيدا واسع النطاق من شأنه إعادة المخاوف إلى الواجهة
كما أشار إلى أن بعض التقديرات لا تستبعد عودة الذهب إلى مستويات قياسية جديدة إذا اجتمعت عوامل خفض الفائدة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة
واختتم حديثه بالتأكيد على أن التراجع الحالي لا يمثل نهاية لدورة صعود الذهب بل يعكس مرحلة إعادة تموضع داخل سوق شديدة الحساسية للتغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية مؤكدا أن المعدن الأصفر سيظل أحد أهم الأصول الاستراتيجية في عالم تزداد فيه الأزمات وتتراجع فيه اليقينيات يوما بعد يوم











