تقرير : علياء الهواري
لم يكن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران مجرد نهاية لجولة عسكرية بقدر ما كان لحظة كاشفة لحجم الأزمة داخل إسرائيل حيث تحولت الهدنة إلى مرآة عاكسة لفشل سياسي يتردد صداه في أروقة الحكم والشارع على حد سواء وبينما حاول بنيامين نتنياهو تقديم ما جرى باعتباره إنجازا دبلوماسيا بدا واضحا أن الداخل الإسرائيلي يقرأ المشهد بشكل مختلف تماما حيث تتصاعد نبرة الغضب وتتحول الانتقادات إلى اتهامات صريحة بفشل إدارة الحرب والعجز عن تحقيق أهدافها
في قلب هذا المشهد خرج يائير لابيد ليكسر الصمت ويصف ما حدث بأنه فشل ذريع مؤكدا أن إسرائيل خاضت حربا بلا رؤية وانتهت إلى هدنة لم تفرض شروطها فيها ولم تحقق من خلالها أي مكسب استراتيجي وهو ما فتح الباب أمام موجة غير مسبوقة من الانتقادات التي لم تعد تقتصر على المعارضة بل امتدت إلى شخصيات أمنية وعسكرية سابقة رأت أن الأزمة أعمق من مجرد قرار سياسي خاطئ بل تعكس خللا في طريقة إدارة الصراع نفسه
هذا الغضب لم يأت من فراغ بل يستند إلى واقع واضح يتمثل في أن إسرائيل لم تكن صاحبة القرار في إنهاء المواجهة حيث جاءت الهدنة في سياق تفاهمات قادتها الولايات المتحدة وهو ما وضع تل أبيب في موقع المتلقي بدلا من الفاعل الأمر الذي اعتبره كثيرون تراجعا خطيرا في مكانة إسرائيل الاستراتيجية وأحد أبرز مؤشرات الفشل السياسي للحكومة الحالية
من داخل المؤسسة الأمنية نفسها بدأت الرسائل تتخذ طابعا أكثر حدة حيث وجّه غادي آيزنكوت انتقادات مباشرة للقيادة السياسية مشيرا إلى أن ما تحقق على الأرض لم يتم استثماره سياسيا وأن الحرب انتهت دون تحقيق أهدافها الكبرى وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الأداء العسكري والنتائج السياسية وهي الفجوة التي باتت محور النقاش داخل إسرائيل في هذه المرحلة
أما يائير غولان فقد اختصر المشهد بعبارة باتت تتردد بقوة في الخطاب الداخلي حين قال إن الجيش انتصر لكن إسرائيل خسرت وهي جملة تحمل في طياتها اعترافا ضمنيا بأن الحرب لم تغير موازين القوى بشكل حاسم وأن إيران خرجت دون أن يتم تحييد قدراتها الأساسية سواء على مستوى البرنامج النووي أو القوة الصاروخية وهو ما يعزز الإحساس بأن ما جرى لم يكن نصرا بقدر ما كان استنزافا بلا نتيجة
وفي السياق ذاته حذر أفيغدور ليبرمان من أن الهدنة الحالية ليست سوى توقف مؤقت يسبق جولة جديدة أكثر تعقيدا مشيرا إلى أن أي اتفاق لا يتضمن تفكيك القدرات النووية والصاروخية لإيران يعني ببساطة تأجيل المواجهة لا إنهاءها وهو طرح يعكس قلقا عميقا داخل التيار الأمني من أن تكون إسرائيل قد خرجت من الحرب دون أن تحقق الردع المطلوب
على مستوى الشارع تبدو الصورة أكثر قتامة حيث يعيش المجتمع الإسرائيلي حالة من الإحباط والارتباك بعد حرب لم تنته بانتصار واضح ولم تقدم إجابات مقنعة حول أسباب توقفها وهو ما أدى إلى تراجع الثقة في القيادة السياسية وتصاعد الشعور بأن الحكومة لم تكن تملك رؤية حقيقية لإدارة المواجهة أو إنهائها وهو شعور يتزايد مع غياب خطاب رسمي قادر على تفسير ما جرى أو تبرير نتائجه
في هذا السياق لم تعد الأزمة مجرد خلاف سياسي بين حكومة ومعارضة بل تحولت إلى حالة اختناق عام داخل إسرائيل حيث تتقاطع الانتقادات من مختلف التيارات السياسية والأمنية لتشير إلى نقطة واحدة وهي أن القيادة الحالية فشلت في إدارة واحدة من أخطر المواجهات في تاريخ الدولة وأن ما بعد الهدنة قد يكون أكثر خطورة من الحرب نفسها
وهكذا بينما توقفت الصواريخ على الجبهات تشتعل داخل إسرائيل معركة من نوع آخر معركة على الشرعية وعلى الثقة وعلى معنى القوة ذاتها وهي معركة يبدو أن بنيامين نتنياهو يدخلها هذه المرة وهو محاصر ليس من خصومه في الخارج بل من الداخل الذي بدأ يضيق به أكثر من أي وقت مضى











