كتبت: علياء الهواري
في توقيت محسوب بدقة خرج بنيامين نتنياهو ليعلن ما وصفه بعشرة إنجازات لم يكن الرقم عابرًا ولا مجرد اختيار بل بدا وكأنه مفتاح لفهم الخطاب كله الرجل لم يضع قائمة سياسية فقط بل صاغ سردية كاملة تستدعي الذاكرة الدينية اليهودية بكل ثقلها وتفتح بابًا واسعًا لإعادة تفسير الواقع من خلال نص قديم يعاد توظيفه في لحظة أزمة حديثة
الرقم عشرة في هذا السياق ليس رقمًا عاديًا بل هو رقم مشحون بالرمزية يرتبط مباشرة بعيد عيد الفصح اليهودي حيث تتكرر حكاية الضربات العشر التي أنزلها الرب بفرعون في المخيال الجمعي اليهودي ومعها تتجدد قصة النجاة والخلاص وإعادة إنتاج الهوية في مواجهة الخطر ولهذا لا يمكن قراءة خطاب نتنياهو بمعزل عن هذا التوقيت ولا عن هذه الخلفية التي يعرف جيدًا كيف يخاطب بها جمهوره
حين يختار نتنياهو أن يسمي إنجازاته بالضربات العشر فهو لا يتحدث عن عمليات عسكرية أو نجاحات سياسية فقط بل يعيد بناء المشهد بالكامل على صورة توراتية واضحة إيران تتحول في هذا الخطاب إلى فرعون جديد والخصوم يصبحون امتدادًا لعدو تاريخي بينما يظهر هو في موقع من يقود الضربات ويصنع الخلاص وكأن السياسة لم تعد مجرد إدارة صراع بل أصبحت إعادة تمثيل لأسطورة قديمة في ثوب حديث
هذا النوع من الخطاب لا يأتي من فراغ بل يعكس حاجة ملحة لدى رجل يواجه ضغوطًا غير مسبوقة داخليًا وخارجيًا نتنياهو الذي طالما قدّم نفسه باعتباره رجل الأمن القوي يجد نفسه اليوم في مأزق مركب أزمات سياسية تتراكم وقضايا فساد تلاحقه وثقة شعبية تتآكل ومعادلة أمنية لم يعد قادرًا على حسمها كما كان يدّعي
في الداخل الإسرائيلي لم تعد الصورة كما يريدها نتنياهو أن تبدو المجتمع الذي عاش على وعود الحسم السريع وجد نفسه في واقع مختلف صواريخ تتساقط وإنذارات متكررة وملاجئ أصبحت جزءًا من الحياة اليومية ومع كل جولة تصعيد يتآكل الإحساس بالأمان الذي كان أحد أهم أوراق نتنياهو في الحكم
أما في الخارج فالمعادلة أكثر تعقيدًا الرجل الذي راهن طويلًا على التصعيد وعلى توسيع رقعة المواجهة وجد أن النتائج لا تسير وفق ما خطط له لا تغيير في موازين القوى بالشكل الذي يسمح بحسم الصراع ولا انهيار للخصوم بل على العكس هناك حالة من التماسك النسبي لدى إيران ومحورها وهو ما أشار إليه تقرير Responsible Statecraft حين أكد أن هدف تغيير النظام الإيراني لم يتحقق رغم كل الضغوط
في هذه اللحظة تحديدًا يصبح استدعاء الدين أداة سياسية بامتياز نتنياهو لا يكتفي بإدارة الصراع على الأرض بل يحاول نقله إلى مستوى رمزي أعلى حيث تتحول المعركة إلى صراع وجودي مقدس وليس مجرد نزاع سياسي أو عسكري هذا التحول يمنحه مساحة أوسع للمناورة لأنه يعيد تعريف الفشل ويقدمه كجزء من معركة طويلة ذات أبعاد تاريخية ودينية
لكن هذا الخطاب يحمل في داخله اعترافًا غير مباشر بالأزمة حين يحتاج السياسي إلى استدعاء الأسطورة ليبرر الواقع فهذا يعني أن الواقع نفسه لم يعد كافيًا لإقناع الجمهور وحين تتحول الإنجازات إلى رموز فهذا يعني أن الإنجاز الحقيقي محل شك
نتنياهو اليوم يقف عند مفترق طرق خطير فخياراته تضيق والوقت لا يعمل لصالحه الانتخابات تبدو مخاطرة كبيرة في ظل تراجع شعبيته والاستمرار في التصعيد قد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة خاصة مع تغير المزاج الدولي وتزايد الضغوط لاحتواء الصراعات بدلًا من توسيعها
وفي قلب هذه المعادلة يقف عامل آخر لا يقل أهمية وهو موقف دونالد ترامب الرجل الذي كان يمثل لنتنياهو حليفًا استثنائيًا قد لا يكون اليوم بنفس الحماس للخيار العسكري خاصة مع تعقيدات المشهد الدولي واحتمالات العودة إلى مسار التفاوض وهو ما يثير قلق نتنياهو الذي يدرك أن أي تراجع أمريكي سيضعه في مواجهة مباشرة مع أزماته دون غطاء كافٍ
لهذا يبدو خطاب الضربات العشر وكأنه محاولة استباقية لإعادة ضبط السردية قبل أن تفرض الوقائع سردية مختلفة هو لا يخاطب الخارج بقدر ما يخاطب الداخل الإسرائيلي يحاول أن يقول لجمهوره إن ما يحدث ليس فشلًا بل جزء من قصة أكبر وإن الألم الحالي هو ثمن الخلاص القادم











