كتبت: علياء الهواري
في هذا اليوم لا يعود الفلسطيني إلى التقويم ليقرأ التاريخ بل يعود إلى قلبه ليتأكد أن النبض ما زال يحمل اسم الأرض وأن الحكاية لم تنته بعد وأن الوجع الذي وُلد في يوم الأرض ما زال حيًا يتنفس في تفاصيل الحياة اليومية لا كذكرى بل كحقيقة لا تغيب
في الثلاثين من مارس لا تُروى القصة كحدث قديم بل كجسد ما زال ينزف منذ اللحظة الأولى حين قررت الأرض أن تصرخ حين ضاقت بها خرائط المصادرة واشتد عليها ثقل الغياب وحين خرج الناس من بيوتهم لا يحملون سوى أسمائهم وبعض التراب الذي يعرفهم أكثر مما يعرفون أنفسهم خرجوا لأنهم أدركوا أن الأرض إذا سُرقت مرة ستُسرق ألف مرة وأن الصمت في تلك اللحظة لم يكن خيارًا بل خيانة لا تُغتفر
لم يكن المشهد مجرد احتجاج عابر كان شيئًا يشبه الانفجار الداخلي لشعب أدرك فجأة أن ما يحدث ليس إجراءً إداريًا ولا نزاعًا عابرًا بل اقتلاع من الجذور ومحاولة لكتابة تاريخ جديد بلا أصحاب الأرض الحقيقيين في تلك اللحظة سقط شهداء لكن ما سقط لم يكن مجرد أجساد بل سقط الخوف وانكسر الصمت وبدأت مرحلة جديدة عنوانها أن الفلسطيني لن يقبل أن يكون غريبًا في أرضه
ومنذ ذلك اليوم لم تعد الأرض مجرد مساحة جغرافية بل أصبحت كائنًا حيًا له ذاكرة وله صوت وله وجع يتكرر كل يوم في بيت يُهدم وفي شجرة تُقتلع وفي طفل يسأل أمه لماذا يأخذون أرضنا ولا تجد إجابة سوى الصمت الذي يختنق في حلقها لأن الكلمات أحيانًا تخون حين يكون الألم أكبر من اللغة
يمر الزمن وتتغير الوجوه لكن القصة تبقى كما هي الأرض تُسحب من تحت الأقدام ببطء وكأنها تختبر قدرة الناس على الاحتمال وكأنها تسألهم في كل مرة هل ما زلتم هنا هل ما زلتم تؤمنون أن هذه الأرض لكم أم أن التعب بدأ يتسلل إلى أرواحكم لكن الإجابة تأتي دائمًا من تفاصيل صغيرة من مزارع يزرع أرضه رغم تهديدات المصادرة من امرأة تقف أمام بيتها المهدد بالهدم وتقول لن أرحل من طفل يرسم خريطة فلسطين في كراسته وكأنه يكتب وصيته الأولى
في غزة الأرض ليست مجرد فكرة بل معركة مفتوحة مع الموت كل يوم هناك لا يشبه الآخر لكن كل يوم يحمل نفس الرسالة أن الأرض تستحق أن نعيش من أجلها وأن نموت من أجلها وأن نحلم بها حتى ونحن تحت الركام في غزة لا يُسأل الناس لماذا يتمسكون بأرضهم لأن السؤال نفسه يبدو ساذجًا أمام حجم الحقيقة هناك الأرض ليست خيارًا بل قدر
وفي الضفة الأرض تُسرق على مهل تُقضم قطعة قطعة كما لو أن هناك من يعتقد أن السرقة البطيئة أقل وجعًا لكنها ليست كذلك الوجع نفسه يتكرر كل يوم لكن بشكل مختلف في مستوطنة جديدة في طريق يُغلق في شجرة زيتون تُحرق في عين عجوز تراقب أرضها وهي تبتعد عنها دون أن تستطيع أن تفعل شيئًا سوى أن تتذكر
أما في الداخل الفلسطيني فالقصة أكثر تعقيدًا لأن الصراع ليس فقط على الأرض بل على الهوية على اللغة على الذاكرة على الحق في أن تقول أنا هنا دون أن تشعر أنك غريب في وطنك هناك يصبح يوم الأرض أكثر من مجرد ذكرى يصبح إثبات وجود يصبح صرخة تقول نحن لم نغادر ولن نغادر مهما حاولوا أن يعيدوا كتابة الحكاية بدوننا
الذاكرة في هذه القصة ليست ترفًا بل سلاح هي الشيء الوحيد الذي لا يمكن مصادرته ولا هدمه ولا اقتلاعه الذاكرة تعني أن كل ما حدث سيبقى حاضرًا أن أسماء الشهداء لن تُنسى أن الأماكن ستظل تحمل قصصها حتى لو تغيرت معالمها الذاكرة تعني أن هناك جيلًا سيأتي بعد جيل ليكمل الحكاية دون أن يحتاج إلى أن يبدأ من الصفر
وهذا ما يخيف الاحتلال ليس فقط الحجارة ولا المظاهرات بل هذه القدرة العجيبة على التذكر لأن التذكر يعني أن الرواية الأصلية ما زالت حية وأن كل محاولات الطمس لم تنجح وأن هناك شعبًا يرفض أن يُمحى حتى لو حاصروه في كل الاتجاهات
اليوم جيل جديد يكتب يوم الأرض بطريقته لا يحمل نفس الشعارات القديمة لكنه يحمل نفس الجوهر ربما لا يقف في نفس الأماكن لكنه يقف في مساحات أخرى في الفضاء الرقمي في الصورة في الكلمة في الصوت في كل مساحة يمكن أن تصل فيها الحكاية إلى العالم هذا الجيل لا يرى يوم الأرض كذكرى بل كجزء من حياته اليومية لأنه يرى الأرض تُسرق أمام عينيه كل يوم
الإعلام أيضًا أصبح جزءًا من هذه المعركة لم يعد مجرد ناقل للأحداث بل أصبح ساحة صراع على الرواية هناك من يحاول أن يجعل يوم الأرض مجرد حدث قديم انتهى وهناك من يعيده كل عام إلى الحياة كقضية مستمرة لم تُحل بعد ومع كل صورة تنتشر ومع كل فيديو يوثق لحظة حقيقية تصبح الحقيقة أقرب ويصبح من الصعب تجاهلها
في النهاية يبقى السؤال لماذا لا ينتهي يوم الأرض ولماذا لا يتحول إلى ذكرى عادية مثل باقي الذكريات الإجابة بسيطة لأن السبب الذي وُجد من أجله ما زال قائمًا لأن الأرض ما زالت تُسرق لأن البيوت ما زالت تُهدم لأن الناس ما زالوا يُهجّرون لأن القصة لم تصل إلى نهايتها بعد
يوم الأرض ليس يومًا في السنة بل حالة مستمرة يعيشها الفلسطيني في كل لحظة هو الشعور بأنك مرتبط بهذه الأرض بشكل لا يمكن تفسيره هو الإحساس بأنك حتى لو ابتعدت ستبقى جزءًا منها وأنها ستبقى جزءًا منك مهما حدث
وفي هذا اليوم لا يحتاج الفلسطيني إلى تذكير نفسه بما حدث لأن كل شيء حوله يذكره الأرض التي يسير عليها الحكايات التي يسمعها الوجوه التي يراها كل شيء يقول له إن هذه القصة لم تنته وإن عليه أن يكون جزءًا منها مهما كان الثمن
هكذا يبقى يوم الأرض حيًا لا كذكرى بل كحقيقة لا يمكن تجاهلها ولا يمكن دفنها ولا يمكن الهروب منها حقيقة تقول إن الأرض لمن يتمسك بها وإن الذاكرة أقوى من النسيان وإن الحكاية مهما طال الزمن ستُروى كما بدأت وكما يجب أن تكون











