حوار : علياء الهواري
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية تتشابك فيها ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد وتتصاعد فيها حدة الاستقطاب الدولي يتحدث السفير مجتبى فردوسي بور رئيس مكتب رعاية مصالح إيران في القاهرة بصراحة ووضوح عن رؤية بلاده للمنطقة وعن معنى ذكرى 13 أبان وعن مستقبل العلاقات الإيرانية المصرية. الحوار الذي نقدمه اليوم ليس حوارا بروتوكوليا تقليديا بل هو محاولة لفهم كيف تفكر طهران في لحظة التحولات الكبرى وكيف تنظر إلى دورها ودور جيرانها في صناعة أمن جماعي حقيقي لا يفرض من الخارج ولا يدار بالوكالة.
في هذا الحوار يضع السفير الإيراني النقاط على الحروف. يتحدث عن الاستقلال بوصفه قيمة تأسيسية لا شعارا عابرا وعن السيادة بوصفها حقا غير قابل للمساومة وعن الحوار الإقليمي بوصفه الطريق الوحيد لبناء نظام مستقر وعادل. كما يتحدث عن مصر بوصفها ركيزة حضارية وسياسية لا يمكن تجاوزها في أي معادلة إقليمية وعن التقارب بين القاهرة وطهران بوصفه تحولا استراتيجيا يتجاوز حدود العلاقات الثنائية إلى مستقبل الأمة كلها.
س: في البداية ما الذي تعنيه ذكرى 13 أبان للشعب الإيراني ولماذا تحظى بهذه المكانة الخاصة في الوجدان الوطني؟
ج: إن ذكرى 13 أبان اليوم الوطني لمقارعة الاستكبار العالمي ويوم الطالب تجسد إرادة الشعب الإيراني العظيمة في التمسك بالاستقلال الوطني والسيادة ورفض الهيمنة والتدخلات الخارجية.
هذه الذكرى ليست مجرد مناسبة للاحتفال أو استعادة حدث من الماضي. إنها لحظة تتجدد فيها الذاكرة الوطنية وتتجدد فيها الإرادة الجماعية. هي اليوم الذي يقول فيه الشعب الإيراني إنه اختار طريقه بنفسه وإنه لن يقبل أن يقرر الآخرون مصيره نيابة عنه. ومن هنا تأتي قوة هذه الذكرى واستمراريتها عبر الأجيال. فالطلاب الذين صنعوا هذا اليوم أصبحوا رمزا لجيل كامل آمن بأن الحرية لا تمنح بل تنتزع وأن الكرامة الوطنية لا تقبل المساومة.
س: ما هي الرسالة التي تريد إيران توجيهها إلى شعوب المنطقة في هذه الذكرى تحديدا وفي هذا التوقيت الحساس؟
ج: في ظل المتغيرات الحساسة والدقيقة التي تشهدها منطقتنا اليوم ترى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن رسالتها الأساسية للشعوب والدول الشقيقة هي التأكيد على أن الأمن والسلام والتنمية المستدامة في المنطقة لا يمكن تحقيقها إلا بأيدي أبناء المنطقة أنفسهم.
هذه الرسالة تحمل بعدا عمليا واضحا. فالمنطقة التي تعرف تاريخها وتعرف جغرافيتها وتعرف مصالح شعوبها هي الأقدر على إدارة خلافاتها وبناء تفاهماتها. والأمن الذي يصنعه أبناء المنطقة يكون أكثر استدامة وأكثر عدالة لأنه ينبع من احتياجات حقيقية وليس من أجندات خارجية. والتنمية التي تبنى بإرادة وطنية تكون أكثر رسوخا لأنها تعتمد على قدرات الشعوب نفسها وعلى مواردها وعلى عقول أبنائها.
س: البعض يفسر مقارعة الاستكبار على أنها دعوة دائمة إلى الصدام. كيف تردون على هذا التفسير؟
ج: إن تجربة المواجهة مع الاستكبار لا تعني الدعوة إلى الصدام الدوري بل هي تجسيد لحق الشعوب الأصيل في التقرير الذاتي والمصير المستقل. ويمكن تحويل هذه الذكرى إلى مظلة للحوار الإقليمي المستقل عبر تعزيز مبدأ الحوار الإقليمي الأخوي والاستعاضة عن التدخلات القادمة من خارج الإقليم بتفاهمات وإطارات أمنية وسياسية جامعة تنبع من الداخل الإقليمي وجعل قيم الاستقلال والحرية أرضية مشتركة تجمع دول المنطقة ضد أي محاولات للفرض أو الابتزاز السياسي والاقتصادي واستغلال الإرادة الوطنية المستقلة للبناء الاقتصادي والتكنولوجي والعلمي المشترك بما يخدم رفاهية جميع شعوب المنطقة.
هذا التوضيح مهم لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الاستقلال والحوار. فالاستقلال لا يعني الانعزال ولا يعني رفض التعاون مع الآخرين. الاستقلال يعني أن يكون الحوار متكافئا وأن يكون القرار وطنيا وأن تكون المصالح مشتركة. والحوار الإقليمي الأخوي الذي تتحدث عنه طهران هو حوار بين دول تملك إرادتها وتدافع عن مصالح شعوبها وتؤمن بأن الخلافات يمكن حلها بالتفاهم لا بالفرض. وهو حوار يرفض منطق الابتزاز السياسي والاقتصادي ويؤمن بأن التعاون العلمي والتكنولوجي والاقتصادي هو الطريق الحقيقي لخدمة رفاهية الشعوب.
س: كيف تنظر إيران إلى مصر ومكانتها في العالم الإسلامي والمنطقة؟
ج: إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنظر إلى جمهورية مصر العربية باعتبارها ركيزة أساسية واستراتيجية للاستقرار والأمن والتاريخ الحضاري في العالم الإسلامي والمنطقة. والتحركات الدبلوماسية الأخيرة واللقاءات المستمرة بين وزيري خارجية البلدين تعكس الإرادة الصادقة للطرفين في فتح آفاق جديدة للعلاقات الثنائية.
مصر ليست دولة عادية في الحسابات الإقليمية. إنها دولة لها وزنها التاريخي وثقلها السياسي وحضورها الثقافي. وعندما تتحدث إيران عن مصر فإنها تتحدث عن شريك حضاري له جذور عميقة في التاريخ وعن دولة لعبت ولا تزال تلعب دورا محوريا في قضايا المنطقة. ومن هنا فإن اللقاءات الدبلوماسية المستمرة ليست مجرد إجراءات بروتوكولية بل هي تعبير عن إرادة سياسية حقيقية لتجاوز مرحلة الجمود وفتح صفحة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
س: ما أهمية التقارب الإيراني المصري في هذه المرحلة؟ وهل يمكن أن يتجاوز العلاقات الثنائية؟
ج: إن استحضار روح الاستقلال ومقارعة الهيمنة الخارجية يشكل أرضية مشتركة بين البلدين اللذين طالما كانا عبر التاريخ منارة للثقافة والحضارة والاستقلال السياسي. وإن تقارب إيران ومصر ليس مجرد خطوة ثنائية بل هو مكسب استراتيجي للأمة الإسلامية بأسرها وخطوة محورية نحو بناء نظام إقليمي متوازن وقائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
إن التقارب بين القاهرة وطهران يحمل رسالة أكبر من العلاقات الثنائية. إنه يقول إن الحضارتين العريقتين في المنطقة قادرتان على الحوار وعلى بناء تفاهمات تخدم الاستقرار. وإنه يقول إن المنطقة قادرة على إنتاج نظامها الإقليمي الخاص بها نظام يقوم على التوازن لا على الهيمنة وعلى الاحترام لا على الفرض وعلى المصالح المشتركة لا على المصالح المفروضة. وإذا نجحت إيران ومصر في تحويل هذه الإرادة المشتركة إلى تعاون عملي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية فإن ذلك سيكون بداية لمرحلة جديدة في تاريخ المنطقة كلها مرحلة يكون فيها القرار إقليميا والمصير مشتركا والمستقبل بيد أبناء المنطقة أنفسهم.
في نهاية الحوار يؤكد السفير أن الرسالة التي تريد إيران إيصالها ليست رسالة مواجهة من أجل المواجهة بل رسالة دعوة إلى حوار حقيقي يشارك فيه الجميع على قدم المساواة. حوار يحترم سيادة الدول ويحترم خصوصيات الشعوب ويؤمن بأن أمن كل دولة هو جزء من أمن الجميع. وفي هذا الإطار فإن ذكرى 13 أبان تتحول من مناسبة وطنية إلى دعوة إقليمية مفتوحة للتعاون والبناء والتفاهم. دعوة تقول إن الاستقلال ليس عقبة أمام التعاون بل هو أساسه وإن الحرية ليست شعارا للصراع بل هي أرضية للشراكة. وبهذا المعنى فإن الحوار الذي دار حول هذه الذكرى وحول العلاقات الإيرانية المصرية يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تكون فيها المنطقة أكثر استقرارا وأكثر قدرة على حماية مصالحها وأكثر إيمانا بأن مستقبلها يصنعه أبناؤها لا غيرهم. وهذا هو جوهر الرسالة التي أراد السفير أن تصل اليوم إلى كل شعوب المنطقة من دون استثناء.











