مقالة بقلم :
بولات سارسِنباييف، سفير النوايا الحسنة لمؤتمر قادة الأديان العالمية والتقليدية
في ظل تصاعد التوترات الدولية، وتعمق الانقسامات الجيوسياسية، وتآكل الثقة بين الدول، تزداد أهمية قدرة المجتمع الدولي على إيجاد أرضية مشتركة وتعزيز حوارٍ هادف. وفي هذا السياق، لا تقتصر تجربة كازاخستان في تعزيز الحوار بين الأديان على كونها ركيزة للتماسك الاجتماعي الداخلي فحسب، بل تُعد أيضاً أداةً قيّمة في الدبلوماسية الدولية المعاصرة.
لقد تشكّل تاريخ كازاخستان عبر تلاقي الثقافات والحضارات والتقاليد والرؤى الدينية للعالم. فعلى مدى قرون، جمعت أرضنا أفراداً من خلفيات عرقية ودينية متنوعة، مما خلق بيئة قائمة على التأثير المتبادل والتبادل الثقافي والتعايش السلمي. واليوم، يظل هذا التنوع سمةً جوهرية للمجتمع الكازاخستاني ومصدراً مهماً لمرونته الاجتماعية.
يعيش في بلادنا أتباع الإسلام، والمسيحية الأرثوذكسية، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ومختلف الطوائف البروتستانتية، واليهودية، والبوذية، وغيرها من التقاليد الدينية جنباً إلى جنب. ولا يشكل هذا التنوع الديني عائقاً أمام وجود هوية مدنية مشتركة، أو احترام متبادل، أو شعورٍ جماعي بالمسؤولية تجاه مستقبل البلاد.
بالنسبة لكازاخستان، لا يُعدُّ الوئام بين الأديان مفهوماً فلسفياً مجرداً، ولا مجرد سياسة حكومية؛ بل هو جزءٌ من الحياة الاجتماعية اليومية، يرتكز على احترام الكرامة الإنسانية، والاعتراف بالحق في حرية الضمير، وإدراك حقيقة أن التنمية المستدامة لا يمكن تحقيقها دون وجود ثقة بين الناس.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن اعتبار التماسك الاجتماعي أمراً مسلماً به؛ إذ يتطلب جهوداً مستمرة ومنسقة من جانب الدولة، ومؤسسات المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، والمجتمعات الدينية، ووسائل الإعلام. ولا يقل عن ذلك أهميةً تعزيز ثقافة الحوار المسؤول، بحيث لا تتحول الاختلافات إلى مصدر للانقسام والنفور، بل تصبح بدلاً من ذلك فرصاً للتفاهم المتبادل والإثراء المشترك.
وقد مكنت هذه التجربة كازاخستان من الاضطلاع بدور فاعل على الساحة الدولية، من خلال طرح مبادرات تعزز التفاهم بين الثقافات والأديان.
وقد شكل “مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية” -الذي عُقدت نسخته الأولى في أستانا عام 2003- علامة فارقة في المسار المؤسسي للحوار بين الأديان. ومع مرور السنين، تطور المؤتمر ليصبح منصة دولية تجمع ممثلين عن تقاليد دينية متنوعة، ومؤسسات حكومية، ومنظمات دولية، ونخبة من الخبراء.
ولا تكمن أهمية هذا المؤتمر في اتساع نطاق التمثيل فيه فحسب، بل في فلسفة التفاعل التي يقوم عليها؛ إذ يستند إلى قناعة راسخة بأن الاختلافات الدينية ينبغي ألا تكون يوماً مصدراً للعداء، وأن التقاليد الروحية قادرة على أداء دور بناء في تعزيز السلام، وترسيخ القيم الأخلاقية، وتجاوز الانقسامات داخل المجتمع.
وفي عالم غالباً ما تتفاقم فيه الخلافات السياسية بفعل التباعد الثقافي، وحيث يمكن توظيف الهوية الدينية لحشد الأطراف المتصارعة، تكتسب فرص الحوار المفتوح قيمة استثنائية؛ فالحوار لا يسهم في تعميق التفاهم المتبادل فحسب، بل يساعد أيضاً في إيجاد أرضية مشتركة للتعاون في سياقات كانت تتسم في الأصل بانعدام الثقة والخلاف.
وفي الوقت ذاته، سيكون من الخطأ اعتبار الحوار بين الأديان حلاً شاملاً لجميع النزاعات الدولية؛ فهو لا يمكن أن يحل محل المفاوضات السياسية، أو القانون الدولي، أو جهود الوساطة، أو الآليات الأمنية. ومع ذلك، يمكن لهذا الحوار أن يسهم في تهيئة الظروف التي تجعل هذه الأدوات أكثر فاعلية، وذلك من خلال تقليل حدة النفور المتبادل، والتصدي لتجريد الخصوم من إنسانيتهم، والحفاظ على مساحة للحلول السلمية.
وهنا تكمن القيمة الدبلوماسية الخاصة لهذا المؤتمر؛ إذ يساعد في تعزيز بيئة يمكن فيها مناقشة الاختلافات دون المساس بمبادئ الاحترام المتبادل، بينما توفر القيم الأخلاقية المشتركة أساساً للتعاون العملي.
وتكمن قوة الدبلوماسية الروحية والعلمانية في تكامل أدوار كل منهما؛ فبينما تمتلك مؤسسات الدولة القدرة على تيسير المشاركة السياسية والتنسيق الدولي، يستطيع القادة الدينيون مخاطبة الأسس الأخلاقية للسلوك البشري، وتشكيل المواقف العامة، والمساعدة في بناء الثقة بين المجتمعات.
وفي الوقت نفسه، من الضروري الحفاظ على الطابع العلماني للدولة، وحرية الضمير، وتنوع المعتقدات. فالحوار الفعال لا يعني هيمنة تقليد ديني بعينه أو فرض منظومة عقائدية واحدة؛ بل يهدف بالأحرى إلى خلق مساحة يمكن فيها للمشاركين، ممن يحملون رؤىً عالمية مختلفة، العمل معاً سعياً نحو تحقيق السلام والكرامة الإنسانية.
على مدى أكثر من عقدين من الزمن، شهدت الأجندة الدولية تغيرات جوهرية. ففي السنوات الأولى، كانت الأولوية تنصب على إرساء منصة دائمة للحوار بين ممثلي مختلف الأديان. أما اليوم، فلم يعد مجرد الجمع بين الناس كافياً بحد ذاته؛ إذ بات من الضروري أن يترجم الحوار إلى مشاركة فاعلة ونتائج ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، ينبغي النظر إلى مخرجات الاجتماع الرابع والعشرين لأمانة “مؤتمر زعماء الأديان العالمية والتقليدية”. فقد جمع الاجتماع أكثر من 30 ممثلاً عن تقاليد دينية مختلفة، ومنظمات دولية، وجهات حكومية، ومؤسسات من المجتمع المدني، يمثلون 20 دولة. وقد أكدت مشاركة ممثلين عن الإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية والبوذية والطاوية والشنتوية والديانة البهائية على الطابع الشامل لهذه المنصة وتعدد أديانها.
وتكمن الأهمية الجوهرية لهذا الاجتماع في التحول من حوار يركز في المقام الأول على النقاش، إلى صياغة وثائق وإطلاق مبادرات تعالج تحديات عالمية فعلية.
واستناداً إلى “إعلان أستانا للسلام 2025″، تم اعتماد وثيقتين دوليتين: “دور الزعماء الدينيين في مكافحة التغير المناخي”، و”مدونة قواعد السلوك الأخلاقي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال الديني”. وتعكس هاتان المبادرتان سمةً رئيسيةً للدبلوماسية المعاصرة؛ وهي أن الأمن الدولي بات مرتبطاً بشكل متزايد بالقدرة على الصمود أمام التغير المناخي، وبالتقدم التكنولوجي، وبمسؤولية البشرية تجاه الأجيال القادمة.
وتُظهر الوثائق التي ناقشتها الأمانة توجهاً واضحاً نحو جعل التعاون بين الأديان أكثر تركيزاً على العمل الميداني. ومع ذلك، فإن فاعلية هذه الجهود على المدى الطويل ستعتمد على تطوير آليات التنفيذ، وتوسيع نطاق التعاون الدولي، والتقييم المنهجي للنتائج المحققة.
البعد الإنساني للدبلوماسية: صون كرامة كل إنسان. حظيت “وثيقة حقوق الطفل المصاب بمرض عضال” -وهي مبادرة مشتركة بين كازاخستان والكرسي الرسولي، أُعدت بمشاركة خبراء من مستشفى “بامبينو جيزو” للأطفال- بمكانة بارزة على جدول أعمال الدورة الرابعة والعشرين. وقد أعربت الأمانة العامة عن دعمها لمواصلة العمل على هذه الوثيقة.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية إنسانية خاصة؛ إذ تلفت انتباه المجتمع الدولي إلى احتياجات الأطفال الذين يعيشون في أكثر الظروف ضعفاً، وتُبرز مسؤولية المجتمع تجاههم وتجاه عائلاتهم.
إن إدراج مثل هذه القضايا ضمن جدول أعمال المؤتمر يؤكد أن الدبلوماسية الروحية تتجاوز مجرد مناقشة العلاقات بين المجتمعات الدينية؛ فهي قادرة أيضاً على الإسهام في معالجة تحديات اجتماعية وإنسانية ملموسة تمس أكثر جوانب الحياة البشرية حساسية.
ومن التطورات المهمة الأخرى تكليف الأمانة العامة بالعمل مع الشركاء على صياغة مفهوم لـ “حركة عالمية من أجل السلام”، ووضع خطة مرحلية لدفع هذه المبادرة قدماً.
وبالنظر إلى المستقبل، ستكون إحدى الأولويات الرئيسية للمؤتمر تعزيز الرابط بين الحوار الدولي والتقدم الملموس على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية.
إن عالم اليوم لا يحتاج فقط إلى آليات لاحتواء النزاعات، بل يتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة دائمة للثقة؛ ثقافة تساعد على منع تصاعد التوترات وتحافظ على فرص التعاون. وفي هذا السياق، اكتسب الحوار بين الأديان أهمية تتجاوز بكثير نطاق العلاقات بين المجتمعات الدينية.
تُبرهن تجربة كازاخستان على أن الحفاظ على الانسجام بين الأعراق والأديان يتطلب جهوداً مستمرة، واحتراماً للتنوع، واستعداداً للبحث عن حلول مشتركة. وقد وسّعت “رابطة قادة الأديان العالمية والتقليدية” نطاق هذا النهج ليشمل الساحة الدولية، موفرةً بذلك منصةً لمعالجة القضايا ذات الأهمية الجوهرية لمستقبل البشرية.
وتعكس مخرجات الدورة الرابعة والعشرين للأمانة العامة التزاماً بمواصلة تطوير هذه المنصة استجابةً للتحديات العالمية المتغيرة. وبناءً عليه، فإن الأهمية المستقبلية لهذه الرابطة ستعتمد على مدى قدرتها على ترجمة مبادئ الحوار والاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة إلى مبادرات عملية وإجراءات ملموسة.
وبصفتي دبلوماسياً، أؤمن إيماناً راسخاً بأنه في عصر يتسم بالترابط العالمي، لم يعد الاستماع إلى الآخرين مجرد بادرة حسن نية، بل أصبح شرطاً أساسياً للأمن الدولي. فالسلام يبدأ بالاعتراف بكرامة الآخرين، وينمو من خلال الثقة، ويستمر بفضل الاستعداد لتحمّل المسؤولية المشتركة.
تلك هي الرسالة الراسخة لكازاخستان: الإسهام في بناء عالم لا تُعد فيه الاختلافات مصدراً للمواجهة، بل أساساً للحوار والتعاون والعمل الجماعي، بما يعود بالنفع على الأجيال القادمة.











