مصر وسنغافورة.. شراكة استراتيجية تتجاوز الجغرافيا
كتبت: فاطمة بدوى
تمثل العلاقات بين مصر وسنغافورة نموذجًا ملهمًا للتعاون الثنائي القائم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، حيث تجاوزت هذه العلاقات حدود الجغرافيا لتتحول إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل الاقتصاد، التجارة، الاستثمار، التعليم، والصحة.
جذور تاريخية عميقة
تعود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى عام 1965، عندما كانت مصر أول دولة عربية تعترف باستقلال سنغافورة، مما أسس لعلاقة متميزة استمرت لعقود. وتُعد السفارة السنغافورية في القاهرة أقدم بعثة دبلوماسية لسنغافورة على مستوى العالم، وهو ما يعكس عمق الروابط التاريخية والسياسية بين البلدين.
تعاون اقتصادي متنامٍ
شهد التعاون الاقتصادي بين مصر وسنغافورة زخمًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، حيث بلغت قيمة التبادل التجاري بين البلدين 360 مليون دولار أمريكي في عام 2024، بينما بلغ إجمالي الاستثمارات السنغافورية المباشرة في مصر نحو 700 مليون دولار عبر 129 شركة سنغافورية.
وفي سبتمبر 2025، قام الرئيس السنغافوري ثارمان شانموغارانام بزيارة دولة إلى القاهرة، حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وشهد الجانبان توقيع سبع مذكرات تفاهم استراتيجية تغطي مجالات التجارة، الاستثمار، النقل، الصحة، الزراعة، التعليم، والتنمية الاجتماعية.
وتشمل هذه المذكرات تعاونًا في تطوير المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وبناء القدرات الحكومية، والبحوث الزراعية، والحماية الاجتماعية، مما يعكس الرؤية الشاملة للشراكة بين البلدين.
آفاق مستقبلية واعدة
تسعى كل من مصر وسنغافورة إلى تعزيز علاقاتهما الاقتصادية من خلال استكشاف إمكانية توقيع اتفاقية تجارة حرة، حيث سبق أن وقعتا معاهدة استثمار ثنائية في 1997 دخلت حيز التنفيذ في 2002، وأصدرتا إعلان نية في 2006 للتفاوض حول اتفاقية تعاون اقتصادي شامل.
وفي أغسطس 2026، عقد وزير الاستثمار والتجارة الخارجية المصري محمد فريد اجتماعًا مع السفير السنغافوري دومينيك جو لمناقشة سبل توسيع التعاون في مجالات اللوجستيات، إدارة سلاسل التوريد، المناطق الصناعية، مراكز التوزيع، بالإضافة إلى التعاون المحتمل في شهادات الكربون والاستدامة.
تعاون في مجالات متنوعة
امتد التعاون بين البلدين ليشمل مجالات حيوية متعددة، منها:
التعليم والتدريب: توقيع مذكرات تفاهم بين وزارة التعليم المصرية ومعهد الخدمات التقنية السنغافوري في مجال التعليم والتدريب الفني والمهني، بالإضافة إلى اتفاقيات بين الجامعات المصرية والسنغافورية في مجالات إدارة الضيافة والفنادق.
الصحة: تعاون في مجال البحوث الصحية وتبادل الخبرات بين المؤسسات الطبية في البلدين.
الأمن البحري: ناقش وزيرا الخارجية المصري والسنغافوري في مارس 2026 ضرورة تعزيز الأمن البحري في البحر الأحمر، مما يعكس الاهتمام المشترك بقضايا الأمن الإقليمي.
التحكيم الدولي: وقعت الأكاديمية الوطنية للتدريب المصرية اتفاقيات مع مركز التحكيم الدولي السنغافوري وكلية لي كوان يو للسياسات العامة بجامعة سنغافورة الوطنية.
رؤية مشتركة للمستقبل
تتميز العلاقات المصرية السنغافورية برؤية مشتركة للمستقبل تقوم على الاستفادة من الخبرات السنغافورية في مجالات التنمية الاقتصادية، والتحول الرقمي، والابتكار، مع الاستفادة من الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمصر كبوابة لأفريقيا والشرق الأوسط.
وتسعى سنغافورة، التي تُعد ثامن أغنى دولة في العالم وأغنى اقتصاد في آسيا، إلى تعزيز استثماراتها في مصر كجزء من استراتيجيتها للتوسع في الأسواق الأفريقية الناشئة.
تمثل العلاقات بين مصر وسنغافورة نموذجًا ناجحًا للتعاون الدولي القائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، حيث نجح البلدان في بناء شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز الحدود الجغرافية لتخدم مصالح شعبيهما وتسهم في تحقيق التنمية المستدامة في المنطقة.











