كتبت : علياء الهواري
ليست كل زيارة رئاسية مجرد زيارة، وليست كل صورة تجمع رئيسين تعني أن العلاقات بين دولتين تسير في مسارها التقليدي. وعندما يقرر الرئيس الصيني شي جين بينغ العودة إلى القاهرة بعد نحو عشر سنوات من آخر زيارة له، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بما سيقال أمام الكاميرات، وإنما بما يجري خلفها: لماذا اختارت بكين هذا التوقيت تحديدًا لإعادة مصر إلى مقدمة أجندتها؟
الزيارة تأتي في لحظة مختلفة تمامًا عن تلك التي زار فيها شي القاهرة عام 2016. خلال العقد الماضي تغير الشرق الأوسط، تغيرت خريطة التجارة العالمية، تصاعد التنافس الأمريكي الصيني، وأصبحت الممرات البحرية والطاقة والموانئ جزءًا من حسابات الأمن القومي للدول الكبرى. وفي قلب هذه التحولات تقف مصر، الدولة التي لا تملك فقط أكبر قناة ملاحية بين الشرق والغرب، وإنما تمتلك موقعًا يربط آسيا بأوروبا، والبحر المتوسط بالبحر الأحمر، والعالم العربي بالقارة الأفريقية.
لهذا السبب تحديدًا، لا تبدو القاهرة بالنسبة إلى بكين مجرد عاصمة عربية مهمة، بل تبدو أقرب إلى «مفتاح» جغرافي واقتصادي لمنطقة كاملة.
الصين اليوم لا تبحث فقط عن أسواق تبيع فيها منتجاتها. بكين تواجه اقتصادًا عالميًا أكثر تنافسية، وحربًا تجارية وتكنولوجية مع الولايات المتحدة، واضطرابات في سلاسل الإمداد، ومخاطر متزايدة على حركة التجارة. وبالتالي أصبحت استراتيجية الشركات الصينية تقوم بدرجة أكبر على الاقتراب من الأسواق، وإنشاء قواعد إنتاج خارج الصين، والوصول إلى مناطق تستطيع من خلالها التصدير إلى أكثر من سوق في الوقت نفسه.
وهنا تظهر مصر كواحدة من أكثر الدول جاذبية.
فالمصنع الصيني الموجود في مصر لا ينتج بالضرورة للسوق المصرية فقط. يمكنه أن يستفيد من موقع مصر ومن اتفاقياتها التجارية ومن قربها من الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية. أما وجوده بالقرب من قناة السويس، فيضيف عنصرًا آخر بالغ الأهمية: الوصول إلى أحد أهم طرق التجارة البحرية في العالم.
وهذا يفسر الاهتمام الصيني المتزايد بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وبمنطقة تيدا الصينية في العين السخنة، التي تحولت خلال السنوات الماضية من مجرد مشروع استثماري إلى جزء من تصور أوسع للوجود الصناعي واللوجستي الصيني في مصر.
الأرقام وحدها تكشف جانبًا من القصة. حجم التجارة بين البلدين وصل إلى نحو 20.7 مليار دولار خلال 2025، لكن الرقم الأكثر أهمية ليس حجم التجارة، وإنما طبيعتها. فمصر ما زالت تستورد من الصين أكثر بكثير مما تصدر إليها، وهو ما يعني أن العلاقة الاقتصادية، رغم ضخامتها، لم تصل بعد إلى المستوى الذي تطمح إليه القاهرة.
وهنا تحديدًا تملك مصر ورقة تفاوضية مهمة.
القاهرة لا تحتاج إلى المزيد من السلع الصينية بقدر ما تحتاج إلى الاستثمار الصيني في الإنتاج المصري. لا تحتاج فقط إلى أن تصبح سوقًا للمنتجات القادمة من الشرق، وإنما تريد أن تتحول إلى قاعدة تصنيع وتصدير، وأن تستفيد من رأس المال والخبرة والتكنولوجيا الصينية في بناء صناعات قادرة على دخول أسواق جديدة.
وهذا هو أحد أهم الملفات التي تجعل زيارة شي جين بينغ مختلفة.
فالصين لا تأتي إلى مصر خالية اليدين، لكنها أيضًا لا تأتي لتقديم مساعدات بلا مقابل. بكين دولة تتحرك وفق حسابات دقيقة لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وكل مشروع استثماري له ما يبرره في خريطة المصالح الصينية.
عندما تستثمر الصين في ميناء أو منطقة صناعية أو مركز لوجستي، فهي لا تنظر فقط إلى العائد المالي المباشر، وإنما تنظر إلى موقع المشروع داخل شبكة أكبر من طرق التجارة والإنتاج والنقل.
ومن هنا يمكن فهم أهمية قناة السويس في الحسابات الصينية.
القناة ليست مجرد طريق تختصر من خلاله السفن المسافة بين آسيا وأوروبا، وإنما أصبحت جزءًا من معركة أوسع حول مستقبل التجارة العالمية. اضطرابات البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة أظهرت للدول والشركات أن الطريق البحري يمكن أن يتحول في لحظة إلى نقطة ضغط استراتيجية. وكلما ارتفعت المخاطر حول طرق الملاحة، ارتفعت قيمة الدول التي تستطيع توفير بيئة مستقرة للموانئ والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.
ومصر في هذه المعادلة ليست لاعبًا هامشيًا.
لكن هناك جانبًا آخر ربما يكون أكثر حساسية.
الصين لا تتحرك في الشرق الأوسط بعيدًا عن صراع النفوذ بين القوى الكبرى. الولايات المتحدة ما زالت صاحبة النفوذ الأمني والعسكري الأكبر في المنطقة، بينما توسعت الصين اقتصاديًا بصورة لافتة، وأصبحت لاعبًا لا يمكن تجاهله في ملفات الطاقة والتجارة والبنية التحتية.
القاهرة تدرك هذه المعادلة جيدًا، ولذلك لا يبدو انفتاحها على بكين محاولة لاستبدال واشنطن، وإنما محاولة لتنويع الشراكات الدولية وعدم وضع الاقتصاد المصري في سلة واحدة.
وهذا تحديدًا ما يجعل مصر مهمة بالنسبة إلى الصين.
بكين تحتاج إلى شريك عربي كبير يستطيع أن يتحرك في أكثر من دائرة في الوقت نفسه. مصر دولة عربية وأفريقية ومتوسطية، ولها علاقات واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا ودول الخليج، وتملك تأثيرًا سياسيًا لا يمكن تجاهله في القضية الفلسطينية وملفات المنطقة.
الصين لا تحتاج إلى مصر اقتصاديًا فقط، وإنما تحتاج إليها سياسيًا أيضًا.
ففي عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التكتلات، تبحث بكين عن توسيع دائرة علاقاتها مع دول الجنوب العالمي، وتقديم نفسها باعتبارها قوة قادرة على بناء شراكات لا تقوم بالضرورة على الاصطفاف السياسي التقليدي.
ومن هنا تصبح القاهرة مساحة مثالية لهذا النوع من السياسة.
لكن المصالح ليست من طرف واحد.
مصر تواجه ضغوطًا اقتصادية كبيرة، وتحتاج إلى تدفقات استثمارية أجنبية، وزيادة الإنتاج، وتوطين الصناعة، وزيادة الصادرات، وخلق فرص العمل. وبالتالي فإن الاستثمار الصيني يمكن أن يكون أكثر أهمية من مجرد رقم يضاف إلى رصيد الاستثمارات الأجنبية.
إذا نجحت القاهرة في تحويل الاستثمارات الصينية إلى صناعات موجهة للتصدير، فقد تصبح العلاقة مع بكين إحدى الأدوات التي تساعد مصر على تغيير شكل اقتصادها.
أما إذا ظلت مصر مجرد سوق ضخمة للمنتجات الصينية، فإن الأرقام الكبيرة لن تعني بالضرورة أن القاهرة حققت أفضل ما يمكن تحقيقه من الشراكة.
وهنا يكمن الاختبار الحقيقي.
فزيارة شي جين بينغ يمكن أن تنتج عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، ويمكن أن تعلن بعدها مليارات الدولارات من الاستثمارات. لكن القيمة الحقيقية لن تظهر في يوم الزيارة، وإنما بعد سنوات، عندما نعرف كم مصنعًا بدأ الإنتاج بالفعل، وكم فرصة عمل خلقت، وكم منتجًا مصريًا خرج إلى الأسواق الخارجية، وكم قدرًا من التكنولوجيا والخبرة انتقل إلى الاقتصاد المصري.
والأهم: هل تستطيع مصر أن تجعل موقعها الجغرافي ورقة اقتصادية تفاوضية، وليس مجرد حقيقة جغرافية يعرفها الجميع؟
هذا هو الرهان.
فالصين تنظر إلى قناة السويس باعتبارها جزءًا من شبكة التجارة العالمية، وتنظر إلى مصر باعتبارها بوابة لأسواق واسعة، بينما تنظر القاهرة إلى الصين باعتبارها مصدرًا ضخمًا للاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع.
وبين الرؤيتين توجد فرصة كبيرة، لكن توجد أيضًا مخاطر.
فالاقتصاد المصري لا يحتاج إلى زيادة الاستيراد بقدر حاجته إلى زيادة الإنتاج. ولا يحتاج فقط إلى جذب الشركات الأجنبية، وإنما إلى ربطها بسلاسل القيمة المحلية، ونقل المعرفة، وزيادة المكون المحلي، وتحويل الاستثمارات إلى صادرات.
إذا حدث ذلك، فستكون زيارة الرئيس الصيني أكثر من مناسبة دبلوماسية.
ستكون إعلانًا عن انتقال العلاقة المصرية الصينية إلى مرحلة جديدة.
أما إذا اكتفت الزيارة بالصور والبيانات والأرقام الضخمة، ثم عادت الأمور إلى مسارها القديم، فستكون القاهرة قد فوتت فرصة نادرة.
لذلك فإن السؤال الذي يجب أن يبقى بعد مغادرة شي جين بينغ ليس كم مليار دولار أعلنت الصين ضخها في مصر، وإنما سؤال أكثر أهمية: ماذا ستفعل مصر بهذه الشراكة؟
فبكين لا تبحث عن مصر لأنها دولة كبيرة فقط، ولا لأنها تملك قناة السويس فقط، وإنما لأنها ترى في القاهرة نقطة يمكن أن تجمع بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة في لحظة يعاد فيها تشكيل العالم.
ومصر بدورها أمام فرصة لأن تقول للصين إن القاهرة لا تريد أن تكون مجرد محطة للمنتجات الصينية، وإنما تريد أن تكون شريكًا في صناعتها وتصديرها.
في النهاية، قد تبدو زيارة شي جين بينغ إلى القاهرة حدثًا دبلوماسيًا، لكن ما يدور حولها أكبر بكثير من مراسم الاستقبال.
إنها مواجهة هادئة بين مصالح دولتين تبحث كل منهما عن أفضل موقع في عالم يتغير بسرعة.
الصين تريد بوابة إلى المنطقة والأسواق والممرات البحرية.
ومصر تريد استثمارًا وصناعة وتكنولوجيا ونفوذًا اقتصاديًا أكبر.
والفارق بين النجاح والفشل لن تحدده الكلمات التي ستقال في القمم، وإنما ما سيحدث بعدها داخل المصانع والموانئ والمناطق الاقتصاد











