كتبت : فاطمة بدوى
تُعدّ الثقافة من أقوى العوامل التي تُقرّب الأمم من بعضها وتُعزّز الثقة المتبادلة بينها. فهي وجه الأمة، وانعكاس لهويتها الروحية، وتاريخها، ومستقبلها، ومهد قيمها العريقة. اليوم، لا تتشكل العلاقات بين الدول وفقًا للمصالح الاقتصادية فحسب، بل أيضًا من خلال التعاون الثقافي والإنساني، مما يُضفي على الشراكات الدولية معنىً وأهميةً جديدين.
في السنوات الأخيرة، توسّعت العلاقات الثقافية الدولية لأوزبكستان بشكل ملحوظ نتيجةً لسياستها الخارجية المنفتحة والعملية. وقد ساهم اعتراف رئيس جمهورية أوزبكستان بالدبلوماسية الثقافية كإحدى الأدوات الرئيسية للسياسة الخارجية في تعزيز حضور البلاد على الساحة الثقافية العالمية بشكل كبير.
في هذا السياق، يحتل التعاون الثقافي مع الولايات المتحدة مكانةً خاصة.
على مدى السنوات القليلة الماضية، تطورت العلاقات الثنائية بثبات على أساس هذا المبدأ. وأصبح التعاون في مجالات الثقافة والتعليم والتبادل الأكاديمي والحفاظ على التراث الثقافي جزءًا لا يتجزأ من الشراكة بين البلدين. وهذا يدل على أن العلاقات الأوزبكية الأمريكية تدخل مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي.
وبالنظر إلى أمثلة محددة، فقد تكثفت التبادلات الثقافية بين البلدين منذ عام ٢٠١٧. وقد فتحت الحفلات الموسيقية وورش العمل التي أقيمت في طشقند بمشاركة قادة فرق موسيقية وموسيقيين وأساتذة أمريكيين فصلاً جديدًا في التبادل المهني بين الأوساط الموسيقية في أوزبكستان والولايات المتحدة. وساهمت هذه الزيارات في تطوير التقاليد الفنية الوطنية وممارسات الأداء المعاصرة، مع خلق فرص جديدة للأجيال القادمة من الموسيقيين.
في العام نفسه، قدمت فرقة جينا تشافيز الأمريكية عرضًا في مهرجان “شرق تارونالاري” الموسيقي الدولي الحادي عشر، الذي أقيم في سمرقند، العاصمة الروحية لأوزبكستان.
أتاح المهرجان للفنانين الأمريكيين فرصة فريدة للتعرف على التراث الموسيقي الغني لآسيا الوسطى. وأظهرت مشاركة الفرقة اللاحقة في مهرجان الجاز الدولي في أوزبكستان أن الحوار الثقافي بين البلدين قد تطور إلى تعاون مستدام وطويل الأمد، بدلًا من كونه مجرد مبادرة عابرة.
وأصبح التعليم ركيزة أساسية أخرى للتعاون الثقافي. ففي عام ٢٠١٧، أقام أساتذة من كلية الموسيقى بجامعة ولاية ميشيغان دورات تدريبية متقدمة في المعهد الموسيقي الحكومي في أوزبكستان. وفي وقت لاحق، عام ٢٠٢٢، أُقيم تعاون بين مدرسة آر. غليير المتخصصة في الموسيقى وجامعة بيميدجي الحكومية في مينيسوتا. وقد أتاحت هذه المبادرات فرصًا جديدة للموسيقيين الشباب، ووضعت في الوقت نفسه الأساس لشراكات أكاديمية طويلة الأمد بين المؤسسات التعليمية في كلا البلدين.
من الجدير بالذكر أن سياسة أوزبكستان الخارجية المنفتحة قد وسّعت بشكل ملحوظ مشاركة البلاد في المشهد الثقافي الدولي. فقد ساهمت المهرجانات الدولية المرموقة التي أقيمت في سمرقند وخيوة وبخارى وكوكند ونوكوس ونمنجان وأنديجان، ليس فقط في إبراز التراث الثقافي الغني لأوزبكستان، بل أيضاً في تعزيز الحوار الإنساني مع دول العالم.
ومن الأمثلة البارزة على الدبلوماسية الثقافية العملية، منحة الحكومة الأمريكية البالغة 150 ألف دولار أمريكي عام 2019 لترميم قصر توش هوفلي في خيوة. وقد أكدت الزيارة اللاحقة لممثلي مؤسسة سميثسونيان استمرارية التعاون في مجال صون التراث الثقافي. وخلال زيارتهم، استكشف الوفد مدينة خيوة التاريخية وأشاد بالأهمية الثقافية والتاريخية لمدن أوزبكستان القديمة.
منذ عام ٢٠٢٠، ازدادت العلاقات الثقافية تنوعًا. ويُظهر مشروعٌ خاصٌ أُطلق في الولايات المتحدة لدراسة الرقص الأوزبكي التقليدي، إلى جانب المشاركة المنتظمة للمتخصصين الأمريكيين في مهرجان لازغي الدولي في خيوة، ومهرجانات الفنون الخيرية الدولية في نوكوس وجولستان، ومهرجان الحرف اليدوية الدولي في كوكاند، ومنتدى “أصداء العالم” في أنديجان، اتساع نطاق الحوار الثقافي بين البلدين وعمقه المتزايد.
ويكشف هذا التطور عن اتجاهٍ هام. فبينما كان التعاون يركز في البداية على الحفلات الموسيقية والمهرجانات، فقد توسع تدريجيًا ليشمل التعليم، والترميم، والحفاظ على التراث الثقافي، والحرف التقليدية، والرقص، وموسيقى المقام، والعديد من المجالات الأخرى. ويعكس هذا التطور المنهجي للتعاون الثنائي ونشوء شراكةٍ أكثر شمولًا.
لا تُعدّ الثقافة قيمةً روحيةً فحسب، بل هي أيضاً عنصرٌ أساسيٌّ في الاقتصاد الإبداعي. فمن خلال السينما والموسيقى والسياحة والحرف اليدوية والمهرجانات الدولية، تُعزّز الدول إمكاناتها الاقتصادية، وتُشجّع الابتكار والتبادل الثقافي. ومن هذا المنطلق، يُتيح التعاون الثقافي بين أوزبكستان والولايات المتحدة فرصاً جديدةً لتطوير الصناعات الإبداعية في كلا البلدين.
علاوةً على ذلك، أسهمت مشاركة الممثلين الأمريكيين في مهرجان بخشي الدولي للفنون في خيوة، ومنتدى مقام الدولي الثالث للفنون الذي عُقد في نمنجان برعاية اليونسكو والإيسيسكو، في الترويج الدولي للتراث الثقافي غير المادي لأوزبكستان. وتُعزّز هذه المشاركة الاعتراف العالمي بالثقافة الأوزبكية، وتُنمّي اهتماماً أكبر لدى الجمهور الأمريكي بتقاليد أوزبكستان الفنية العريقة.
كان من أبرز أحداث هذا العام اجتماع وزراء الثقافة في دول آسيا الوسطى والولايات المتحدة، الذي عُقد في طشقند. وخلال الاجتماع، ناقش المشاركون آفاق توسيع التعاون الثقافي والإنساني، بما في ذلك تطوير الصناعات الإبداعية، والمبادرات الثقافية الرقمية، والتبادل المهني، والتعاون في مجالات السينما والمسرح والأدب والموسيقى.
وفي ختام الاجتماع، وقّع المشاركون البيان المشترك لمجلس وزراء الثقافة بشأن صون التراث الثقافي، الذي اعتُمد في إطار قمة مجموعة الدول الخمس زائد واحد (C5+1) التي عُقدت في واشنطن العاصمة. كما التقى وزير الثقافة الأوزبكي، أوزودبيك نزاربيكوف، بنائبة رئيس الوزراء ووزيرة الثقافة والإعلام الكازاخستانية، عايدة بالاييفا، لبحث سبل تعزيز التعاون الثنائي في مجالي الأدب والمسرح.
وختاماً، أصبحت الثقافة إحدى أكثر الركائز رسوخاً في العلاقات الدولية. قد تتغير الظروف السياسية، وقد تتطور الأولويات الاقتصادية، لكن الروابط الثقافية تبقى راسخة في قلوب وعقول وذاكرة الشعوب المشتركة.
الثقافة جسر روحي يربط ماضي الأمة بحاضرها، وحاضرها بمستقبلها. وكل استثمار في الثقافة هو، في جوهره، استثمار في الإنسان، وفي مستقبل الأمم، وفي السلام الدائم. والشراكة الثقافية بين أوزبكستان والولايات المتحدة تخدم هذه الأهداف النبيلة تحديدًا. إن بذور الثقة التي تُزرع اليوم ستنمو غدًا لتصبح شجرة صداقة متينة بين شعبينا. وتحت أغصانها، ستجتمع الأجيال القادمة، والمبدعون، وممثلو مختلف المجالات، ليساهموا من خلال الثقافة والفنون في ازدهار كلا البلدين.











