كتبت: فاطمة بدوى
زار سعادة السفير ديان كتراتشيف، برفقة مجموعة من رؤساء البعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، دير القديسة كاترين في سيناء. وجاءت الزيارة بمبادرة من سفيرة جمهورية قبرص لدى جمهورية مصر العربية، السيدة بولي يوانو، وبدعوة من أخوية الدير المقدس. وقد استقبل السفراء صاحب النيافة المطران سمعان، رئيس أساقفة سيناء وفاران ورايثو ورئيس الدير، حيث ناقشوا معه أهمية الدير باعتباره أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو، وأعربوا عن دعمهم للحفاظ على مكانته الفريدة ورسالته الروحية وطابعه التاريخي.
وخلال الزيارة، قام السفراء بزيارة الكنيسة الرئيسية للدير، حيث انحنوا إجلالاً أمام رفات القديسة الشهيدة العظيمة كاترين. كما تجولوا في متحف الدير ومكتبته الشهيرة، التي تضم ثاني أكبر مجموعة من المخطوطات القديمة في العالم بعد المكتبة الرسولية في الفاتيكان. وأتيحت لهم الفرصة للاطلاع على نماذج فريدة من الفن المسيحي، والتراث الكتابي، والمخطوطات التاريخية.
ويقع دير القديسة كاترين عند سفح جبل سيناء، وقد شُيّد بين عامي 527 و565 ميلادية بأمر من الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول، فوق موقع كنيسة أقدم أُقيمت بمبادرة من الإمبراطورة هيلانة. ويُعد الدير أقدم دير مسيحي مأهول بصورة متواصلة في العالم، إذ يمتد تاريخه لأكثر من سبعة عشر قرناً. ويحتضن الدير رفات القديسة كاترين، كما يروي التقليد الكتابي أن الله تجلى للنبي موسى في العليقة المشتعلة التي لا تحترق في هذا الموضع، عند سفح جبل الوصايا العشر.
وبفضل استمرارية تقاليده الرهبانية لأكثر من خمسة عشر قرناً، يُمثل الدير مزاراً مقدساً ذا أهمية لا تُقدر بثمن بالنسبة للعالم الأرثوذكسي بأسره. وترتبط به أيضاً صلات تاريخية وثيقة مع الشعب البلغاري، إذ ظل دير القديسة كاترين عبر القرون أحد أهم مقاصد الحج للمسيحيين الأرثوذكس من الأراضي البلغارية، الذين أهدوه كتباً وأيقونات ومخطوطات مكتوبة بالأبجدية الغلاغوليتية والسيريلية، ولا تزال محفوظة حتى اليوم في مكتبة الدير ومقتنياته. وتكتسب هذه الآثار أهمية استثنائية لدراسة اللغة البلغارية القديمة، والأدب البلغاري في العصور الوسطى، وانتشار الثقافة الأرثوذكسية.
ويُكتب جزء كبير من أقدم المخطوطات السلافية المحفوظة في سيناء باللغة البلغارية القديمة، أو ينتمي إلى التقليد الأدبي البلغاري في القرنين العاشر والحادي عشر. وتشهد هذه المخطوطات على الانتشار المبكر للكتب الليتورجية التي ظهرت عقب رسالة القديسين الأخوين كيريل وميثوديوس وتلاميذهما.
ومن بين أثمن المخطوطات السلافية في مكتبة الدير:
اليوخولوجيون السينائي (Euchologium Sinaiticum)، وهو مخطوط غلاغوليتي يعود إلى القرن الحادي عشر، ويُعد من أقدم كتب الصلوات والطقوس السلافية.
المزامير السينائية (Psalterium Sinaiticum)، وهو مخطوط غلاغوليتي من القرن الحادي عشر، يتمتع بأهمية بالغة في دراسة تاريخ اللغة البلغارية القديمة.
القداس السينائي (Missale Sinaiticum)، وهو مخطوط غلاغوليتي من القرنين العاشر والحادي عشر، اكتُشف عام 1975 أثناء الكشف عن قاعات جديدة في مكتبة الدير.
الرق السينائي (Sinai Palimpsest)، وهو ورقة من القرن الحادي عشر تحمل نصاً غلاغوليتياً محفوظاً تحت كتابة سيريليّة لاحقة.
وإلى جانب المخطوطات الغلاغوليتية، تضم المكتبة عشرات المخطوطات السيريلية التي تعود إلى الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثامن عشر، وتشمل كتب المزامير، وكتب الرسل، وكتب الطقوس، وكتب الساعات، والأوكتويخوس، والمينايون، ومجموعات من عظات آباء الكنيسة. ومن بين أثمن المخطوطات البلغارية القديمة المكتوبة بالسيريلية: الإنجيل الرباعي (Tetraevangelion) من القرن الثاني عشر، وإنجيل رباعي آخر من أوائل القرن الثالث عشر، بالإضافة إلى نسختين من سفر المزامير تعودان إلى القرنين الثالث عشر والرابع عشر.
وللعلماء البلغار إسهام طويل ومتميز في دراسة المجموعة السلافية المحفوظة في دير سيناء. وتمثل المخطوطات البلغارية المحفوظة في هذا الدير المقدس شاهداً لا يقدر بثمن على العصر الذهبي للأدب البلغاري، وعلى الدور الذي اضطلعت به بلغاريا بوصفها أحد أهم مراكز نشر الكتابة السلافية والتراث الأدبي الأرثوذكسي في العالم المسيحي خلال العصور الوسطى











