كتبت: فاطمة بدوى
يُعتبر الحوار في العالم قيمةً أساسيةً تُمهّد الطريق للسلام. ويُظهر استماع الدول لبعضها البعض في سبيل الوحدة والمصالحة، وتعاونها في وضع حلولٍ تتناسب مع متطلبات العصر، استقرار النظام الدولي. وتكتسب هذه الخطوات المشتركة أهميةً خاصةً في أوقات التغيير والأزمات. في الوقت نفسه، يُمكن القول إن تراجع الثقة المتبادلة بين الدول في العالم المعاصر هو نتيجةٌ لندرة الحوار مع مرور الوقت.
وقال وزير الخارجية الكازاخستاني يرميك كوشيرباييف فى مقالة له حول هذا الشأن أن
في السياسة الدولية المعاصرة، توجد أيضاً أمثلة مشرقة لهياكل متعددة الأطراف راسخة تعمل بلا كلل على إرساء وئام بنّاء بين الدول، وتعزيز السلام والثقة المتبادلة، وفتح آفاق جديدة لحسن الجوار والتعاون. ومن بين هذه المنظمات الفريدة منظمة شنغهاي للتعاون.
تأسست منظمة شنغهاي للتعاون قبل 25 عامًا، في 15 يونيو 2001، وقد رسخت مكانتها اليوم كواحدة من أكبر المنظمات الإقليمية متعددة الأطراف في العالم.
لقد شكّل المسار الفريد الذي سلكته الجمعية في تطوير نفسها، والذي امتدّ ربع قرن، قصةً مميزةً لمنظمة شنغهاي للتعاون في بناء الثقة، والسعي إلى التوافق، وتعزيز الشراكة في الفضاء الأوراسي. وخلال هذه الفترة، خاضت المنظمة مساراً تاريخياً معقداً وديناميكياً في التطوير، مُثبتةً بذلك ليس فقط جدواها، بل أيضاً فعاليتها الاستثنائية وضرورتها القصوى.
يبدأ تاريخ منظمة شنغهاي للتعاون مع دول شنغهاي الخمس، التي تأسست عام 1996 من قبل كازاخستان والصين وقيرغيزستان وروسيا وطاجيكستان. وفي عام 2001، انضمت أوزبكستان إليها معربةً عن دعمها للأهداف الرئيسية للمنظمة. ونتيجةً لذلك، توسعت منظمة شنغهاي للتعاون لتشمل دول آسيا الوسطى، وتوسع نطاقها. تضم المنظمة حاليًا عشر دول أعضاء، هي: كازاخستان، والصين، وقيرغيزستان، وروسيا، وطاجيكستان، وأوزبكستان، والهند، وباكستان، وإيران، وبيلاروسيا. وتجدر الإشارة إلى أن الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون تمثل أكثر من 60% من مساحة قارة أوراسيا، ونحو نصف سكان العالم، وجزءًا كبيرًا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
خلال هذه الفترة، دأبت المنظمة على تعزيز مكانتها بين الهيئات الدولية والإقليمية المؤثرة عاماً بعد عام. وقد حظيت المنظمة باعتراف المجتمع الدولي كآلية فعّالة لضمان الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة. ومن الجدير بالذكر أننا نشهد اليوم الدور العالمي المتنامي لمنظمة شنغهاي للتعاون.
إن توجه المنظمة نحو المنفعة المتبادلة والمساواة، فضلاً عن نهجها البنّاء والعملي في التعاون، القائم على الحياد التام، يُعدّ قيماً لا تُقدّر بثمن. وقد أُطلق على هذا النهج اسم “روح شنغهاي”، وهو يُمثّل استراتيجية تنموية فريدة اختارتها الدول الأعضاء في المنظمة. وكما أثبت الزمن، فقد أثبتت آليات التفاعل متعدد الأطراف داخل منظمة شنغهاي للتعاون جدواها وكفاءتها العالية.
أظهرت نتائج القمم الأخيرة بوضوح حجم مهام المنظمة وأهدافها. وقد أثبتت مجدداً قدرة منظمة شنغهاي للتعاون على اتخاذ قرارات عاجلة وفعالة بشأن القضايا الإقليمية الملحة في المجالات السياسية والأمنية والتجارية والاقتصادية والإنسانية.
في هذا السياق، أصبحت مبادرة منظمة شنغهاي للتعاون “حول الوحدة العالمية من أجل السلام العادل والوئام والتنمية”، التي اعتُمدت عام 2024 بناءً على مسودة قدمتها كازاخستان، مثالاً حياً على هذا العمل الجوهري. وهي وثيقة شاملة غير مسبوقة تتضمن مبادئ تعزيز الثقة والحفاظ على الاستقرار والأمن. وبمرور الوقت، قُدّمت هذه المبادرة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة كوثيقة رسمية.
يُعدّ الأمن أحد أهمّ المجالات على جدول أعمال منظمة شنغهاي للتعاون. وخلال هذه الفترة، اكتسبت المنظمة خبرةً واسعةً في مكافحة الإرهاب والانفصال والتطرف. ويضطلع الهيكل الإقليمي لمكافحة الإرهاب التابع للمنظمة بدورٍ خاصّ في هذا العمل المسؤول. وتتجلى فعالية التدابير المتخذة في الخطوات الفعّالة التي تمّ اتخاذها للقضاء على البنية التحتية للإرهاب. وقد تمّ إنشاء نظامٍ فعّال لتبادل المعلومات، وتُجرى تدريباتٌ دوريةٌ لمكافحة الإرهاب. وبحسب الخبراء، وبفضل تنسيق الجهود، يتناقص عدد العمليات الإرهابية في منطقة منظمة شنغهاي للتعاون بشكلٍ مطّرد.
في الوقت نفسه، يُعدّ تشكيل الفضاء الأوراسي، القائم على روابط إقليمية راسخة في مجالات النقل والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا، أحد أهم إنجازات المنظمة. وبشكل أدق، تمّ ابتكار نموذج مرن للشراكة الاقتصادية، قائم على مبادئ البراغماتية والمنفعة المتبادلة، مع احترام سيادة الدول المشاركة.
كخطوة ملموسة نحو تعزيز التكامل المثمر، تم التوصل إلى اتفاق بشأن إنشاء بنك التنمية التابع لمنظمة شنغهاي للتعاون. وتجري حالياً مفاوضات مكثفة حول هذا المشروع. وهناك اعتقاد سائد بأن هذه المؤسسة المالية ستصبح في المستقبل إحدى الآليات الرئيسية لتنفيذ المشاريع الاقتصادية والإنسانية داخل المنظمة.
إضافةً إلى ذلك، تتزايد أهمية التعاون الثقافي والإنساني بين دول منظمة شنغهاي للتعاون عامًا بعد عام. واليوم، يجري تنفيذ عدد من المشاريع المتميزة داخل المنظمة، والتي تحظى بالتقدير لابتكارها. ومن بين هذه المشاريع: جامعة منظمة شنغهاي للتعاون، ومشروع “التعليم بلا حدود”، وبرنامج “المزارات الروحية”، وعواصم السياحة والثقافة لمنظمة شنغهاي للتعاون، ومنتدى الشباب، والعديد من المبادرات الأخرى. ولا تقتصر هذه المشاريع على تعزيز مكانة المنظمة فحسب، بل تُشكّل أيضًا جسرًا هامًا يُعزز التفاهم والثقة المتبادلة بين الشعوب.
تُعد كازاخستان من أشد المؤيدين لمبادئ منظمة شنغهاي للتعاون، وقد دعمت باستمرار التطوير المؤسسي وتعزيز السمعة الدولية للمنظمة.
على وجه الخصوص، خلال رئاسة بلادنا عام 2017، انضمت الهند وباكستان إلى المنظمة، ونُفذت المرحلة الأولى من توسع منظمة شنغهاي للتعاون. وفي قمة أستانا عام 2024، تحدثت المنظمة لأول مرة بصيغة “العشرة”. وفي هذه القمة، شاركت جمهورية بيلاروسيا لأول مرة في اجتماع جماعي بصفتها عضواً كاملاً.
بالإضافة إلى ذلك، وبمبادرة من كازاخستان وبدعم من الدول الأعضاء الأخرى، تم اعتماد وثائق مهمة، مثل استراتيجية التنمية لمنظمة شنغهاي للتعاون حتى عام 2035، وبرنامج الأمن الغذائي، واتفاقية التعاون والتفاعل بشأن قضايا الحدود، وبرنامج مكافحة الإرهاب والانفصال والتطرف.
تتمثل إحدى أولويات كازاخستان داخل المنظمة في زيادة فعالية أنشطة منظمة شنغهاي للتعاون من خلال التكيف مع الوضع الدولي المتغير بسرعة.
لقد دعمت أستانا باستمرار تحديث المنظمة، وتكييف مؤسساتها مع التحديات الحديثة، وتعزيز المحتوى العملي للتعاون.
في هذا السياق، اكتسبت رئاسة كازاخستان لمنظمة شنغهاي للتعاون في الفترة 2023-2024 أهمية خاصة. ففي قمة أستانا عام 2024، بدأت عملية تحسين أنشطة المنظمة، واتُخذت خطوات هامة لتعزيز استقرارها المؤسسي، وزيادة فعالية عملية صنع القرار، وتوسيع نطاق التفاعل بين الدول.
أشار رئيس الدولة قاسم جومارت توكاييف إلى أنه في ظل حالة عدم الاستقرار العالمي، يتعين على منظمة شنغهاي للتعاون التكيف مع الواقع الجيوسياسي والاقتصادي الجديد في الوقت المناسب. وفي هذا الصدد، اقترحت كازاخستان إجراء تحليل شامل لأنشطة المنظمة، بما في ذلك دراسة آليات صنع القرار، وتنفيذ المشاريع المشتركة، وقضايا تنسيق أنشطة الهياكل القطاعية.
تُناقش الدول الأعضاء حاليًا بنشاط عملية تحسين أنشطة منظمة شنغهاي للتعاون، التي بادرت بها كازاخستان. والهدف الرئيسي من هذه المبادرة الأساسية هو زيادة الفعالية العملية للمنظمة وتعزيز دورها كأحد المراكز الرائدة للتعاون الدولي في الفضاء الأوراسي.
تدعم كازاخستان أيضاً تعزيز البُعد الاقتصادي للمنظمة. غالباً ما يُنتقد هذا التوجه لعدم استغلاله الكامل لإمكانات منظمة شنغهاي للتعاون، ويجب الاعتراف بأن هذه الانتقادات لها بعض الوجاهة.
تُعدّ منظمة شنغهاي للتعاون من أكبر المنظمات في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي. ويُقدّر حجم التبادل التجاري الخارجي لدولها الأعضاء بنحو تريليون دولار أمريكي، وفقًا لتقديرات مختلفة. وتضم المنظمة أكبر منتجي ومستهلكي الطاقة في العالم. إضافةً إلى ذلك، يمرّ عبر المنطقة ممرات نقل بري رئيسية ذات أهمية دولية.
تُتيح الإمكانات الاقتصادية لمنظمة شنغهاي للتعاون فرصاً واسعةً لها لتصبح أحد أهم مراكز التعاون الاقتصادي الديناميكي. إلا أن هذه الإمكانات لم تُستغل بالكامل بعد. وفي هذا الصدد، تقترح كازاخستان تكثيف مشاريع الاستثمار المشتركة، والتوسع في استخدام العملات الوطنية في التسويات المتبادلة، وتطوير ممرات النقل الدولية التي تمر عبر أراضي الدول الأعضاء في المنظمة.
من جانبها، تعمل كازاخستان، باعتبارها قوة متوسطة الحجم تتمتع بمستوى عالٍ من التكيف الرقمي وخبرة واسعة في مجال الخدمات، بنشاط على تعزيز التحول الرقمي والابتكار وتشكيل منصات تعاون جديدة في مجالات التجارة الإلكترونية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي داخل منظمة شنغهاي للتعاون.
يجب ألا ننسى أن القضايا البيئية بالنسبة لدول منظمة شنغهاي للتعاون ترتبط ارتباطاً مباشراً بضمان الاستقرار الاقتصادي والأمن الغذائي ونوعية حياة السكان.
تُعدّ قضايا تغيّر المناخ، والتصحر، واستنزاف الموارد المائية، والتلوث البيئي ذات أهمية بالغة للمنطقة. وتُعتبر آسيا الوسطى من أكثر المناطق عرضةً لمشاكل الأمن المائي في العالم. لذا، تُشكّل الأجندة البيئية أهمية استراتيجية لمنظمة شنغهاي للتعاون.
وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى مبادرة الرئيس قاسم جومارت توكاييف لإنشاء مركز لتحليل مشاكل المياه في الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون. وتهدف أنشطة هذا المركز إلى دمج التقنيات وأفضل الممارسات في مجال الاستخدام الكفء والمستدام للموارد المائية، فضلاً عن التنفيذ المشترك لحلول مبتكرة في مجال إدارة المياه.
بشكل عام، من الواضح أن منظمة شنغهاي للتعاون قد تطورت اليوم بشكل كامل لتصبح منظمة دولية متعددة التخصصات. وتتطور جميع مجالات التعاون داخل المنظمة بشكل متناغم، محافظةً على “روح شنغهاي” وبمشاركة فعّالة من جميع الدول الأعضاء.
من النقاط المهمة التي يجب التأكيد عليها هنا أن منظمة شنغهاي للتعاون، على الرغم من عملها المكثف في المجال الأمني، ليست كتلة عسكرية أو تحالفاً مغلقاً موجهاً ضد دول ثالثة، بل هي فضاء للتعاون المفتوح.
تدعم كازاخستان تقليدياً الحوار المتكافئ، واتخاذ القرارات على أساس التوافق، وتجنب المقاربات التصادمية. ولا يمكن ضمان التنمية المتوازنة للمنظمة وحوار متعدد الأطراف مفتوح وموثوق إلا من خلال إظهار الولاء لأهداف ومبادئ ميثاق منظمة شنغهاي للتعاون.
على مدار ربع قرن، أثبتت منظمة شنغهاي للتعاون مراراً وتكراراً أنها قادرة على توحيد مواقف الدول ذات التقاليد السياسية والنماذج الاقتصادية والخصائص الثقافية المختلفة حول أهداف مشتركة ومسؤولية مشتركة عن المستقبل.
وبالنظر إلى المسار الذي اتخذته هذه الذكرى، نرى العمل الجاد والمهارة الدبلوماسية والبصيرة السياسية والرغبة الحقيقية للدول في تعزيز الثقة والتفاهم المتبادلين.
اليوم، تدخل منظمة شنغهاي للتعاون مرحلة جديدة في تطورها. إنها فترة بالغة الأهمية، حيث ستؤثر فعالية التعاون بشكل مباشر على الاستقرار العالمي وجودة حياة ملايين البشر.
أعتقد جازماً أن الخبرة الغنية المتراكمة على مر الزمن، والإمكانات الفريدة للتفاعل، والالتزام بالمبادئ الراسخة لـ “روح شنغهاي” ستسمح للمنظمة بالبقاء واحدة من أهم المراكز على الساحة الدولية في المستقبل.
وكما أشار رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف: “لدى شعوبنا آمال كبيرة في منظمة شنغهاي للتعاون. إنهم يعتقدون أن التعاون الفعال داخل المنظمة، القائم على التفاهم المتبادل ومراعاة المصالح المشتركة، سيمكننا من التغلب على التحديات الحالية والصعوبات المستقبلية بكرامة، وتحسين رفاهية مواطنينا”.











