حوار : علياء الهواري
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية بصورة غير مسبوقة، تبدو المنطقة العربية وكأنها تقف فوق حقل ألغام مفتوح؛ الخليج يغلي على وقع التوتر الإيراني الأمريكي، والبحر الأحمر يتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع دولي، بينما تتراجع فرص التسوية في فلسطين أمام تمدد الاحتلال وتوحش المستوطنين، في وقت تواجه فيه قوى إقليمية كبرى إعادة رسم لموازين النفوذ من الصين حتى أفريقيا.

وسط هذه العواصف، يبرز سؤال جوهري: هل يعيش العالم مرحلة “إدارة الفوضى” أم أننا بالفعل على أعتاب انفجار كبير يعيد تشكيل خرائط النفوذ والدول والممرات البحرية؟
يفتح السفير يوسف مصطفى زادة النار على أكثر الملفات سخونة، متحدثًا عن احتمالات الحرب في بحر الصين، ومستقبل الخليج، والمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، ومصير القضية الفلسطينية، واحتمالات سقوط نتنياهو، إلى جانب الصراع في السودان وإثيوبيا، ومستقبل باب المندب، ورسائل التحركات الإماراتية والمصرية في المنطقة.
كيف تنظرون إلى القمة الصينية الأمريكية الحالية؟ وهل نجحت المفاوضات بالفعل في إبعاد شبح الحرب في بحر الصين؟
يرى السفير يوسف زادة أن ما يجري بين واشنطن وبكين لا يمكن وصفه بإنهاء للصراع، بل هو مجرد “إدارة دقيقة للتوتر”، موضحًا أن القمة الحالية تستهدف وضع حواجز تمنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، لكن جذور الأزمة لا تزال قائمة وبقوة.
ويؤكد أن الولايات المتحدة مستمرة في تعزيز تحالفاتها العسكرية في آسيا، بينما تعتبر الصين تلك التحركات محاولة لمحاصرتها استراتيجيًا، وهو ما خلق حالة تشبه “الحرب الباردة الجديدة”، ولكن بصورة أكثر حدة وتعقيدًا.
ويضيف أن أخطر ما في المشهد هو كثرة نقاط الاحتكاك، خصوصًا في ملفي تايوان والفلبين، مشيرًا إلى أن أي حادث عسكري محدود قد يشعل مواجهة واسعة في أي لحظة، وهو ما يدفع كثيرًا من المراقبين لوصف الوضع الحالي بأنه “هدوء يسبق العاصفة”.
كما لفت إلى أن الصين لعبت خلال الفترة الأخيرة دورًا متطورًا في أزمات الشرق الأوسط، إذ انتقلت من مرحلة الدعم السياسي والعسكري غير المباشر لإيران إلى دور الوسيط المقبول في المفاوضات الهادفة لاحتواء التصعيد الإقليمي.
هل نحن أمام حدث جلل في الخليج؟ انهيار دول أو تقسيمات جديدة أو حتى اندماجات قسرية؟
السفير يوسف زادة يرفض سيناريوهات الانهيار المتداولة إعلاميًا، مؤكدًا أن دول الخليج تتجه حاليًا نحو التهدئة والتكتلات الاقتصادية لا التفكك.
وأوضح أن السعودية والإمارات وقطر تركز بصورة أساسية على مشروعات التنمية العملاقة وتنويع مصادر الدخل بعيدًا عن النفط، وهو ما يجعل الاستقرار الإقليمي ضرورة وجودية لهذه الدول.
وأشار إلى أن الحديث عن تقسيمات أو اندماجات قسرية لا يستند حتى الآن إلى معطيات سياسية أو اقتصادية حقيقية، معتبرًا أن جزءًا كبيرًا من هذه السيناريوهات يتم تضخيمه في وسائل الإعلام ومراكز التحليل السياسي.
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.. هل يمكن أن تنجح هذه المرة؟
بحسب يوسف زادة، فإن فرص النجاح لا تزال “هشة للغاية”، موضحًا أن ما يجري حاليًا أقرب إلى هدنة مسلحة ومحاولة لشراء الوقت وليس سلامًا دائمًا.
وأوضح أن إسرائيل تصر على إبعاد حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني ونزع سلاحه، وهو ما يرفضه الحزب بشكل كامل، ما يجعل فرص الوصول إلى اتفاق نهائي محدودة للغاية.
وأشار إلى أن تل أبيب لا تزال تلوح بخيار العملية البرية الواسعة إذا فشلت المسارات الدبلوماسية، ما يعني أن الجنوب اللبناني لا يزال يقف على حافة انفجار جديد.
هل انتهى فعليًا الحديث عن القضية الفلسطينية وحل الدولتين بعد ما جرى في غزة والضفة؟
السفير يوسف زادة يرى أن الحديث الدبلوماسي عن الدولة الفلسطينية لم ينتهِ رسميًا، لكنه أصبح شبه مستحيل على أرض الواقع في ظل التطورات الحالية.
وأوضح أن التوسع الإسرائيلي في غزة، وإعادة احتلال أجزاء واسعة منها، إلى جانب التصعيد غير المسبوق في الضفة الغربية واقتحامات المسجد الأقصى وتسليح المستوطنين، كلها عوامل تجعل فكرة إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا بالغ الصعوبة.
وأشار إلى أن ما يحدث حاليًا لا يعكس تراجعًا للمستوطنين أو إنهاءً لنفوذهم كما يروج البعض، بل على العكس، يشير إلى تصاعد نفوذ اليمين الديني المتطرف داخل إسرائيل.
هل اقترب بنيامين نتنياهو من السقوط السياسي؟
يرى يوسف زادة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعيش بالفعل “عام الحسم”، لكنه لم يسقط بعد.
وأكد أن الضغوط الشعبية والسياسية عليه أصبحت هائلة، خاصة مع وجود تقديرات داخل إسرائيل تشير إلى أن غالبية الإسرائيليين باتوا يريدون رحيله، فضلًا عن ملفات الفساد والمحاكمات التي تلاحقه.
لكن، بحسب زادة، فإن نتنياهو لا يزال يناور عبر توظيف الحرب وتحالفاته مع اليمين المتطرف من أجل البقاء في السلطة وتأجيل أي سيناريو لسقوطه السياسي.
هل تمثل الممرات التجارية الجديدة تهديدًا حقيقيًا لقناة السويس؟
يؤكد السفير يوسف زادة أن الممرات الجديدة، وعلى رأسها مشروع الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي، تمثل تحديًا حقيقيًا لقناة السويس، لكنها لن تنهي دورها التاريخي.
وأوضح أن هذه الممرات قد تقلل زمن النقل التجاري وتخفف من احتكار قناة السويس لبعض الخطوط، لكنها لا تستطيع استبدالها بالكامل، خاصة فيما يتعلق بحركة الحاويات العملاقة والبضائع الضخمة.
وأضاف أن مصر تدرك حجم التحدي، ولهذا تتحرك بصورة مستمرة لتطوير القناة والمنطقة الاقتصادية المحيطة بها للحفاظ على تنافسيتها العالمية.
هل نحن أمام حرب محتملة بين إثيوبيا والسودان؟ وهل يمكن أن يتحول باب المندب إلى نسخة جديدة من هرمز؟
يصف يوسف زادة الوضع بأنه “الأخطر منذ سنوات”، مؤكدًا أن إثيوبيا أصبحت طرفًا مؤثرًا بصورة غير مباشرة في الحرب السودانية، خصوصًا مع الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع
ويرى أن باب المندب بات بالفعل مرشحًا للتحول إلى ساحة صراع دولي مفتوح، خاصة مع تصاعد التوترات المرتبطة بالاتفاق الإثيوبي مع صوماليلاند، والتهديدات المتبادلة المرتبطة بحركة السفن والممرات البحرية.
وأشار إلى أن أي اضطراب واسع في باب المندب ستكون له تداعيات اقتصادية وأمنية خطيرة على العالم بأسره، تمامًا كما يحدث حاليًا في مضيق هرمز.
إلى أي مدى قد تستمر الاستفزازات الإثيوبية؟
بحسب السفير المصري الأسبق، فإن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يتبنى استراتيجية واضحة تقوم على الوصول إلى البحر بأي ثمن.
وأوضح أن إثيوبيا تعتبر امتلاك منفذ بحري مسألة استراتيجية تتعلق بمستقبل الدولة ونفوذها الإقليمي، وهو ما يجعل التوتر مع مصر والسودان والصومال مرشحًا للاستمرار لسنوات طويلة.
ما دلالة ما يحدث في مالي ومحاولة الجماعات المتطرفة إسقاط الدولة هناك؟
يحذر يوسف زادة من أن ما يجري في مالي يمثل “زلزالًا أمنيًا” خطيرًا، موضحًا أن الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة باتت تقترب بصورة غير مسبوقة من قلب العاصمة باماكو.
وأكد أن فشل المقاربات العسكرية والانقلابات المتكررة والاعتماد على القوى الأجنبية لم ينجح في تحقيق الاستقرار، بل ساهم في توسيع نفوذ التنظيمات المسلحة.
ويرى أن سقوط مالي بالكامل في قبضة الجماعات المتشددة – إذا حدث – قد يفتح الباب أمام انهيار أوسع في منطقة الساحل الأفريقي، مع امتداد الفوضى إلى دول الجوار وشمال أفريقيا.
كيف تفسرون زيارة الرئيس السيسي إلى أبو ظبي وحديثه عن أن “ما يمس الإمارات يمس مصر”؟ وهل يؤثر ذلك على علاقات القاهرة بالرياض والخرطوم؟
يرى السفير يوسف زادة أن الزيارة تحمل رسائل استراتيجية تتعلق بالتضامن الإقليمي وحماية المصالح المشتركة، خاصة بعد التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة واستهداف ميناء الفجيرة الإماراتي.
وأوضح أن مصر تحاول الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها بين إيران ودول الخليج، مع استمرار التنسيق السياسي والعسكري مع السعودية وتركيا وباكستان في بعض الملفات.
كما أشار إلى أن العلاقات الاقتصادية تلعب دورًا حاسمًا في طبيعة الموقف المصري، خاصة في ظل الاستثمارات الإماراتية الضخمة داخل مصر، وعلى رأسها مشروع رأس الحكمة، الذي وصفه بأنه لعب دورًا محوريًا في تخفيف الضغوط الاقتصادية التي واجهتها القاهرة.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن القاهرة تتعامل ببراغماتية شديدة مع التحركات الإماراتية في المنطقة، إذ تراقبها عن قرب دون الدخول في صدام مباشر، انطلاقًا من أولوية الحفاظ على المصالح الوطنية المصرية والاستقرار الاقتصادي والسياسي للدولة.











