حوار: علياء الهواري
في لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات تتداخل فيها الحسابات السياسية مع التحركات العسكرية وتتصاعد فيها نبرة الخطاب إلى مستويات غير مسبوقة تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة تحول خطير قد يعيد تشكيل موازين القوة لسنوات طويلة مقبلة فلا المشهد يمكن قراءته باعتباره مواجهة تقليدية بين أطراف واضحة ولا التطورات يمكن فصلها عن سياق دولي أوسع تتحرك فيه القوى الكبرى وفق مصالح معقدة تتجاوز حدود الجغرافيا.

في هذا التوقيت الحرج يأتي هذا الحوار مع السفير يوسف زادة عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ليقدم قراءة مختلفة لما يجري بعيدا عن السطح حيث تتكشف من خلاله طبيعة الصراع الحقيقي الذي لا يدار فقط عبر السلاح بل عبر مزيج دقيق من الضغوط السياسية والأدوات الاقتصادية والتوازنات الاستراتيجية التي تحكم سلوك جميع الأطراف
ما الذي يحكم سلوك الولايات المتحدة في هذا التصعيد وهل نحن أمام سياسة تقليدية أم نهج مختلف تمامًا؟
يرى السفير يوسف زادة أن فهم طبيعة التحركات الأمريكية في المنطقة يرتبط بشكل مباشر بتحليل شخصية دونالد ترامب الذي لا يمكن اعتباره امتدادا تقليديا للرؤساء الأمريكيين السابقين بل يمثل حالة مختلفة تقوم على إدارة السياسة بعقلية اقتصادية واضحة حيث تتحكم حسابات الربح والخسارة في مجمل قراراته وهو ما ينعكس بوضوح على أسلوب تعامله مع القضايا الدولية إذ يميل إلى استخدام أدوات الضغط لتحقيق أكبر قدر من المكاسب دون الانخراط في مواجهات شاملة قد تفرض أعباء ثقيلة على الولايات المتحدة
هذا التوجه يفسر طبيعة الخطاب الذي يتبناه والذي خرج في كثير من الأحيان عن الأطر الدبلوماسية المعروفة ليصبح أكثر مباشرة وحدة وهو ما أثار جدلا واسعا خاصة في تعامله مع قادة دول كبرى إلا أن هذا الأسلوب من وجهة نظره لا يعبر عن فوضى بقدر ما يعكس محاولة لإعادة صياغة قواعد اللعبة الدولية وفرض نمط جديد من إدارة القوة يعتمد على كسر التقاليد القائمة وإعادة تشكيلها بما يخدم المصالح الأمريكية
وأضاف فيما يتعلق بإمكانية اندلاع مواجهة عسكرية” بريه ” مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران يستبعد السفير يوسف زادة هذا السيناريو في المدى القريب مؤكدا أن واشنطن تدرك جيدا حجم الكلفة التي قد تترتب على مثل هذا القرار ولذلك تفضل إدارة الصراع من خلال أدوات متعددة تتيح لها تحقيق أهدافها دون الوصول إلى مرحلة الحرب المفتوحة حيث تعتمد على مزيج من الضغوط الاقتصادية والتحركات السياسية والتصعيد العسكري المحدود في إطار استراتيجية تقوم على استنزاف الخصم دون الدخول في مواجهة شاملة
وعند الحديث عن آلية اتخاذ القرار داخل الولايات المتحدة يوضح أن الرئيس لا يتحرك بشكل منفرد بل يخضع لتوازنات معقدة تفرضها مؤسسات الدولة المختلفة إلى جانب قوى ضغط مؤثرة تلعب دورا محوريا في توجيه السياسات العامة خاصة فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وفي مقدمة هذه القوى جماعات النفوذ الداعمة لإسرائيل التي تمارس تأثيرا واضحا على مسار القرار السياسي بما يعكس طبيعة التشابك بين المصالح الداخلية والخارجية
وبالانتقال إلى إسرائيل يؤكد السفير يوسف زادة أن البعد الديني يمثل أحد العناصر الحاضرة في الخطاب السياسي لكنه لا يعد الدافع الوحيد بل يتم توظيفه كأداة لخدمة مشروع سياسي أوسع حيث تسعى القيادات الإسرائيلية إلى استخدام الرمزية الدينية لتعزيز شرعيتها داخليا وتبرير سياساتها خارجيا حتى في ظل وجود تيارات علمانية داخل المجتمع الإسرائيلي وهو ما يعكس طبيعة المشروع الصهيوني الذي يقوم على فكرة سياسية جامعة تتجاوز حدود الانتماء الديني التقليدي
وفيما يتعلق برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يشير إلى أنه يمثل نموذجا واضحا لهذا التوظيف حيث يعتمد على استحضار البعد الديني في خطاباته لتحقيق مكاسب سياسية والحفاظ على تماسك قاعدته الداخلية وهو ما يفسر استمرار هذا النهج رغم التغيرات التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي على المستوى الفكري والاجتماعي
وعن القدرات الاستخباراتية لإسرائيل يقر السفير يوسف زادة بوجود تفوق ملحوظ في مجال العمليات النوعية والاختراقات الأمنية وهو ما ظهر في عدد من العمليات داخل العمق الإيراني إلا أنه في الوقت ذاته يحذر من التقليل من قدرات إيران التي تعتمد على عناصر قوة مختلفة ترتبط بطبيعة الجغرافيا واتساع المساحة إلى جانب استراتيجية التحصين العميق التي تتبناها
ويشير في هذا السياق إلى أن إيران عملت على إنشاء منظومة عسكرية معقدة تقوم على بناء منشآت تحت الأرض في أعماق كبيرة داخل المناطق الجبلية وهو ما يجعل استهدافها أمرا بالغ الصعوبة حتى بالنسبة لأحدث الوسائل العسكرية كما تمتلك طهران أوراق ضغط استراتيجية في مقدمتها قدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وهو ما يمنحها ثقلا إضافيا في معادلات الصراع
وعلى مستوى الدور الإقليمي لمصر يؤكد السفير يوسف زادة أن القاهرة تتبنى سياسة تقوم على إدارة التوازنات بدقة حيث تسعى إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي من خلال دور دبلوماسي نشط يهدف إلى احتواء التوترات ومنع التصعيد مع الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة مع مختلف الأطراف بما في ذلك إيران وهو ما يعكس رؤية تقوم على تجنب الانخراط المباشر في الصراعات مع الحفاظ على المصالح الوطنية
ويضيف أن العلاقة مع طهران تتسم بالحذر الإيجابي حيث يتم التعامل معها في إطار من التوازن الذي يراعي تعقيدات المشهد الإقليمي ويهدف إلى تقليل حدة التوترات دون الدخول في محاور صدامية أما فيما يتعلق بالموقف الإسرائيلي من مصر فيؤكد أن تجنب التصعيد المباشر يعود إلى إدراك واضح لحجم الكلفة التي قد تترتب على أي مواجهة محتملة سواء على المستوى العسكري أو السياسي وهو ما يدفع إسرائيل إلى التعامل مع مصر وفق حسابات دقيقة تأخذ في الاعتبار ثقلها الإقليمي وقدراتها الاستراتيجية
وفي قراءته لمستقبل المشهد يرى السفير يوسف زادة أن المنطقة لا تتجه نحو حسم عسكري شامل بقدر ما تسير نحو حالة من التوازن الهش الذي يتم إدارته عبر أدوات متعددة حيث يسعى كل طرف إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب دون الوصول إلى نقطة الانفجار الكامل وهو ما يعكس طبيعة صراع معقد لا تحكمه فقط موازين القوة العسكرية بل تحدده أيضا حسابات السياسة والاقتصاد
في ضوء هذه القراءة تبدو المنطقة وكأنها تعيش على إيقاع توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الحسابات في مشهد يصعب التنبؤ بمساراته النهائية وبينما تستمر الأطراف المختلفة في اختبار حدود القوة يبقى السؤال معلقا هل تنجح هذه التوازنات في منع الانفجار أم أن المنطقة تقترب بالفعل من لحظة تتجاوز فيها كل الحسابات











