كتبت : علياء الهواري
في مشهد إقليمي بالغ التعقيد، لم تعد فيه الحقيقة واضحة بقدر ما أصبحت خاضعة لمن يمتلك القدرة على صياغة الرواية، يطفو إلى السطح ملف “الطيارين الأمريكيين المفقودين في إيران” كواحد من أكثر الملفات إثارة للريبة والتساؤل. وبين تضارب التصريحات وغياب الأدلة، تتكشف ملامح معركة جديدة، لا تُدار بالصواريخ، بل بالكلمات.
في هذا السياق، حسم المستشار الثقافي الفلسطيني الأسبق غازي فخري الجدل، نافياً بشكل قاطع صحة ما أعلنه الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب بشأن العثور على طيارين أمريكيين داخل الأراضي الإيرانية، واصفًا تلك التصريحات بأنها “جزء من خطاب سياسي مأزوم، يعتمد على تضخيم الوقائع أو اختلاقها لتحقيق مكاسب دعائية”.
وقال فخري في تصريح خاص إن “ما يطرحه ترامب لا يمكن اعتباره معلومة موثوقة، بل هو نموذج متكرر لنهج قائم على صناعة سرديات وهمية، يتم تسويقها للرأي العام على أنها إنجازات، بينما تفتقر في حقيقتها إلى أي دليل ملموس”.
وأضاف أن “الاختبار الحقيقي لأي رواية ليس قوة انتشارها، بل قدرتها على الصمود أمام التدقيق، وهو ما لم يحدث في هذه الحالة”، مشيرًا إلى أن إيران، وعلى خلاف الرواية الأمريكية، طالبت بشكل واضح وصريح بظهور هؤلاء الطيارين – إن كانوا موجودين بالفعل – في مؤتمر صحفي علني، وهو طلب لم يتم الاستجابة له حتى الآن.
هذا الغياب، بحسب فخري، “لا يترك مجالًا كبيرًا للتأويل، بل يضع الرواية الأمريكية في موضع الشك المباشر، خاصة في ظل غياب أي إثبات مادي يدعمها”. واعتبر أن “الاعتماد على التصريحات دون تقديم أدلة لم يعد كافيًا لإقناع الرأي العام، الذي أصبح أكثر وعيًا وقدرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية”.
ولم يكتفِ فخري بتفنيد الرواية، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، معتبرًا أن هذا الملف يكشف عن تحول خطير في طبيعة الصراع الدولي، حيث لم تعد المواجهة تقتصر على السياسة أو القوة العسكرية، بل امتدت إلى ما وصفه بـ”حرب الوعي”، التي يتم فيها توظيف الإعلام كأداة رئيسية لإعادة تشكيل إدراك الشعوب.
وأوضح أن “المنطقة اليوم تعيش حالة من التضليل المنظم، حيث تُستخدم القضايا الحساسة كأوراق ضغط إعلامية، ويتم توجيهها بما يخدم مصالح الأطراف المتصارعة”، محذرًا من أن “استمرار هذا النهج من شأنه أن يُفقد الخطاب السياسي مصداقيته بالكامل، ويحول الحقيقة إلى مجرد وجهة نظر قابلة للتلاعب”.
وأشار إلى أن “اللعب على مثل هذه الملفات، دون مراعاة لخطورتها أو تداعياتها، يعكس حالة من الارتباك داخل دوائر صنع القرار، خصوصًا عندما يتم اللجوء إلى اختلاق إنجازات بديلة لتعويض إخفاقات حقيقية”.
وفي ختام تصريحه، شدد فخري على أن “المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل في العقول”، مؤكدًا أن “الرهان الحقيقي اليوم هو على وعي الشعوب، وقدرتها على فرز المعلومات، وعدم الانجرار وراء روايات تُصاغ بعناية لخدمة أهداف سياسية











