كتبت: فاطمة بدوى
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، شكّل رئيس طاجيكستان إمام علي رحمن نموذجًا لزعيم ارتبط اسمه بمرحلة الانتقال من الحرب الأهلية والفوضى إلى الاستقرار السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة في بلد خرج من تفكك الاتحاد السوفييتي وسط صراع دموي وانهيار اقتصادي واجتماعي عميق.
فقد تسلم رحمن زمام السلطة في واحدة من أحلك فترات تاريخ طاجيكستان الحديث، حيث كانت البلاد مهددة بالانقسام وال انهيار الكامل لمؤسساتها، ليتحوّل لاحقًا إلى الشخصية المحورية في عملية السلام والمصالحة الوطنية وإعادة تشكيل ملامح الدولة.
يُحسب لرحمن أنه قاد مفاوضات شاقة وضعت حدًا للحرب الأهلية التي أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت مئات الآلاف داخل البلاد وخارجها، قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق عام 1997 الذي رسّخ المصالحة الوطنية وفتح الباب أمام عودة اللاجئين والنازحين إلى مدنهم وقراهم.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من مليون نازح ولاجئ عادوا إلى ديارهم في أعقاب تثبيت اتفاق السلام وبدء عملية إعادة الإعمار، وهو ما اعتُبر في طاجيكستان إنجازًا تاريخيًا أعاد اللحمة للمجتمع بعد سنوات من الاحتراب الداخلي.
على المستوى السياسي والدستوري، أشرف رحمن على صياغة دستور جديد للبلاد في منتصف التسعينيات، أسس لنظام رئاسي وأعاد بناء مؤسسات الدولة التي كانت شبه مشلولة بفعل الحرب.
وتمثلت أولويات القيادة في تلك المرحلة في إعادة تفعيل أجهزة إنفاذ القانون، وتشكيل جيش وطني وحرس حدود، وضمان بسط سلطة الدولة على كامل التراب الوطني، ومنع عودة الفوضى أو انزلاق البلاد مجددًا إلى دوامة العنف المسلح.
وساهمت هذه الخطوات في خلق بيئة أمنية أكثر استقرارًا، مكّنت من إطلاق برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية لاحقًا.
اقتصاديًا وتنمويًا، ركزت سياسات رحمن على إعادة إعمار ما دمرته الحرب، والاستثمار في البنية التحتية التي اعتُبرت شرطًا أساسيًا لربط مناطق البلاد المعزولة جغرافيًا بسبب الطبيعة الجبلية لطاجيكستان.
وخلال العقود الماضية، شُيّد ما يزيد على ألفي كيلومتر من الطرق الحديثة، إلى جانب عشرات الأنفاق والجسور التي ربطت بين الأقاليم وقلّصت من عزلة القرى والمناطق الجبلية، وهو ما أدى إلى تحويل البلاد تدريجيًا إلى فضاء جغرافي أكثر ترابطًا، وسهل حركة الأفراد والبضائع وبين المدن الرئيسية والحدود.
كما أولت القيادة اهتمامًا خاصًا لقطاع الطاقة، مستفيدة من الإمكانات المائية الهائلة للأنهار الطاجيكية.
فقد أطلقت في عهد رحمن سلسلة من مشروعات الطاقة الكهرومائية ومحطات التوليد الحرارية، من بينها محطات سانغتودا 1 و2 ومشروعات إعادة تأهيل محطات كهرومائية قائمة مثل نورك وقيروققم، إلى جانب بناء محطات جديدة في مناطق مختلفة من البلاد.
وأسهمت هذه المشروعات في إضافة أكثر من 2000 ميغاواط إلى القدرة الإنتاجية للطاقة خلال السنوات الأخيرة، في إطار استراتيجية وطنية تهدف إلى تحقيق ما تسميه دوشанбе “الاستقلال الطاقي” والتحول إلى مصدر للطاقة النظيفة نحو دول الجوار.
في السياق نفسه، تبنّت الحكومة بقيادة رحمن استراتيجية طويلة المدى للتنمية الصناعية، إذ اقترح الرئيس إعلان الأعوام 2022–2026 “سنوات التنمية الصناعية” في البلاد، مع التركيز على خلق فرص عمل جديدة ورفع مستوى الدخل وتقليص معدلات الفقر تدريجيًا.
وتستهدف هذه الخطة خلق أكثر من نصف مليون وظيفة جديدة، ومضاعفة دخول المواطنين وزيادة حصة الطبقة المتوسطة، بما ينعكس على الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وتشير الأرقام الرسمية إلى تأسيس أكثر من ألفي مؤسسة صناعية جديدة خلال السنوات الخمس الماضية وحدها، وتوفير عشرات الآلاف من فرص العمل المرتبطة بها.
أما على مستوى الرؤية المستقبلية، فطرح رحمن خلال خطابه السنوي أمام البرلمان أواخر عام 2024 خريطة طريق واضحة لمرحلة ما بعد 2025، تقوم على الجمع بين التصنيع، وتطوير قطاع الزراعة، وتحديث البنية التحتية للنقل، والاستثمار في التعليم والابتكار، مع إعطاء أولوية خاصة للاقتصاد الرقمي.
ودعا الرئيس إلى إعداد “برنامج التنمية متوسطة الأجل 2026–2030″، واقترح إعلان الفترة بين 2025 و2030 أعوامًا لـ”تطوير الاقتصاد الرقمي والابتكار”، بالتوازي مع إنشاء جامعة للابتكار والتقنيات الرقمية في مدينة كولاب، لتكون رافعة لتأهيل الكفاءات الوطنية في هذا المجال.
تعليميًا واجتماعيًا، شدد رحمن في خطاباته المتكررة على أن الاستثمار في التعليم والشباب يمثل قاعدة لأي تنمية مستدامة.
لذلك وضعت الحكومة هدفًا لبناء أكثر من ألف مؤسسة تعليمية جديدة في مختلف مستويات التعليم خلال فترة خمس سنوات، إلى جانب برامج لتعزيز الرعاية الاجتماعية للفئات الأكثر هشاشة، وتوسيع خدمات الرعاية الصحية في المدن والقرى.
وتأتي هذه الخطوات في إطار رؤية تهدف إلى رفع مستوى رأس المال البشري، وتقليص الفوارق بين الأقاليم، وتعزيز فرص مشاركة الشباب في سوق العمل وفي الحياة العامة.
خارجيًا، اعتمدت طاجيكستان في عهد رحمن سياسة “الأبواب المفتوحة” في علاقاتها مع العالم، سعيًا لجذب الاستثمارات وتعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين والإقليميين.
وتُظهر الخطابات الرسمية تأكيدًا متكررًا على أهمية الدور الذي تلعبه المنظمات الدولية والإقليمية، وعلى رأسها الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية، في دعم برامج التنمية والبنية التحتية في البلاد.
كما عملت دوشанбе على تعزيز دورها كدولة عبور في آسيا الوسطى، مستفيدة من موقعها الجغرافي، عبر تطوير شبكات الطرق والمعابر الحدودية لتحويل طاجيكستان إلى حلقة وصل بين أسواق المنطقة.
ورغم استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها طاجيكستان، فإن سجل إنجازات إمام علي رحمن، من وقف الحرب الأهلية وإرساء السلم الأهلي، إلى بناء مشروعات الطاقة والبنية التحتية ودفع خطط التصنيع والاقتصاد الرقمي، يشكّل في نظر مؤيديه قصة تحول تدريجي من دولة مهددة بالتفكك إلى دولة تسعى لترسيخ استقرارها والانخراط بصورة أعمق في الاقتصاد الإقليمي والدولي.











