حوار : علياء الهواري
في مسلسل «صحاب الأرض» لم يكن حضور محمد خروات مجرد مشاركة عابرة في ثلاثة مشاهد، بل كان شهادة حيّة تختصر مسافة الألم بين الواقع والدراما. خروات، الذي عاش 45 يومًا في مخيم جباليا قبل أن يغادر غزة إلى مصر، لم يحتج إلى كثير من التحضير ليجسّد شخصية نازح؛ لأن النزوح بالنسبة له ليس احتمالًا دراميًا، بل تجربة لم تبرد نارها بعد.
في هذا الحوار، يتحدث عن اللحظة التي اختلط فيها التمثيل بالذاكرة، وعن المسؤولية الثقيلة حين يتحول الفن إلى مرآة لشعبٍ كامل.

– هل مرّ عليك مشهد شعرت فيه أنك لا تمثل بل تستعيد شيئًا من حياتك؟
يجيب دون تردد: “مشهد الطحين تحديدًا. كان وجع الأرض حاضرًا في كل تفصيلة. شعرت كأنني عصفور هُدم عشه… ويُهدم مرة أخرى. لم أكن أؤدي مشهدًا، كنت أعيش إحساس الفقد من جديد.”
ويضيف أن الحكم الحقيقي سيبقى للجمهور، لأن بعض المشاعر لا تُشرح بل تُرى
هل شعرت بثقل أنك لا تمثل فردًا، بل ذاكرة جماعية؟
“بالتأكيد”، يقول خروات. “كل ما نقدمه كفنانين عن غزة مسؤولية. نحن لا نحكي حكاية متخيلة، بل قصة أناس حقيقيين يشاهدوننا الآن. هذه ليست شخصية عابرة، بل حكاية شعب.”

– هل خفت من إساءة فهم العمل أو توظيفه سياسيًا بعيدًا عن سياقه الإنساني؟
يعترف بأنه تردد في البداية، متسائلًا إن كان العمل سيضيف شيئًا جديدًا إلى ما شاهده العالم. لكنه حسم قراره قائلًا: “في قضيتنا لا يمكن أن أفصل بين مهنيتي وإنسانيتي. ولو شعرت ولو بنسبة ضئيلة بوجود تحريف أو استغلال، لما شاركت.”

– هل استطعت الفصل بين مشاعرك كممثل وواقعك كإنسان يعيش النزوح؟
لا يمكن. الحرب لم تنتهِ بالنسبة لي. ما زلت بعيدًا عن أمي، لا أستطيع حتى أن أشم رائحتها. الناس هناك بلا بيوت، بلا دفء. كيف أفصل؟”
– بعد انتهاء التصوير، هل كان الفن مساحة للتفريغ أم سببًا في فتح الجراح؟
“الجراح لم تُغلق أصلًا”، يقول. “وأنا أشاهد الحلقات أبكي. الحرب مستمرة داخلنا.”
– ماذا تتمنى أن يشعر شاب فلسطيني نازح وهو يشاهد العمل؟
“أتمنى أن يرى الأمل. لأننا لو فقدناه لن نستطيع الاستمرار. نحن نفقد بيوتنا وأرضنا وأحبابنا… ومع ذلك نكمل. نصبر لأنه لا خيار آخر.”
– هل يؤلمك أن يؤدي العالم دور المتفرج بينما تؤدي أنت دور الضحية؟
“يؤلمني كثيرًا. نحن نحب الحياة، لدينا أحلام وطموحات. لسنا مشاهد درامية تُستهلك ثم تُنسى.”
هل الفن في هذه اللحظة مقاومة أم توثيق؟
يحسمها: “هو الاثنين معًا. الفن مقاومة، وشهادة، وأرشيف لجرائم الاحتلال. هم يدركون قوة الفن، ولهذا يخشونه.”
محمد خروات لم يحمل “كيس الطحين” كإكسسوار درامي، بل حمل ذاكرة الجوع، ورائحة المخيم، وحنين ابنٍ إلى أمه. في «صحاب الأرض» لم يكن يمثل نزوحًا، بل كان يؤكد أن بعض الأدوار لا تُكتب على الورق… بل تُحفر في القلب.
ومع إسدال الستار على كل حلقة، يبقى سؤال يتردد خارج الشاشة:
كم مرة يجب أن يتحوّل الألم إلى مشهد… حتى يراه العالم حقيقة لا حبكة؟











