كتبت: فاطمة بدوى
القى عبد الله بن ناصر الرحبي
سفير سلطنة عمان لدى جمهورية مصر العريية
مندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية كلمة فى
جاء نصها :
الحضور الكريم
تحرص سلطنة عمان على الاحتفال بـ “اليوم العالم للغة العربية” بشكل يليق بكونها بلد “الخليل بن أحمد الفراهيدي”، وبرونق يتناسب مع اعتزاز الدولة العمانية وشعبها بدورهم في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية. واللغة العربية وعاء لقيم إنسانية، ووسيلة لحفظ التاريخ الثقافي، وشارة من شارات تأكيد الانتماء إلى “الأنا” التي يريد البعض إذابتها في “الآخر”.
والعربية في تاريخ العمانيين ووجدانهم كائن حي، وتراث مُقّدَّر، وتاريخ لم ينقطع تواصله من جيل الرواد إلى اليوم، ويمتد جغرافيًا إلى حيث وصلت أقدام العمانيين، وما تزال آثارهم اللغوية ماثلة حتى اليوم في شرق إفريقيا.
ولسنوات، حرصت خلال عملي الدبلوماسي على تأكيد الصلة الوثيقة بين اللغة والهوية، وفي فترة عملي في المقر الأوروبي للأمم المتحدة بجنيف اجتهدت أن أسهم في ترسيخ الاهتمام الرسمي العربي بالاحتفال بهذه المناسبة: “اليوم العالمي للغة العربية”، هدفًا لا أغفل عنه.
واليوم، بينما عواصم غربية عديدة تعيد النظر في مقولات “العولمة” وتغييب الخصوصيات الحضارية والثقافية، تبشيرًا بميلاد “الإنسان المعولم” الذي ينسى تاريخه ولغته وثقافته ويكتفي بأنماط سلوك مدارها ومحورها الاستهلاك – بدلًا من تأكيد هويته الحضارية – آن للمدافعين عن الهوية الحضارية لأمتنا – وفي القلب منها لغتنا العربية “لغة القرآن الكريم”، أن يقولوا بملء الفم: كنا على صواب.
وفي مؤسساتنا التعليمية وفي خطابنا الثقافي وفي حياتنا اليومية وفي وسائطنا الإعلامية كافة، تستحق اللغة العربية أن نبذل الجهد لصونها وإعلاء مكانتها ونقلها عبر الأجيال دون أن تفقد شيئًا من قدرتها على إنتاج العلم وإبداع الأدب الراقي.
الحضور الكريم
إن واحدًا من المخاطر الكبيرة التي تحدق بالعربية أن تساؤلات يطرحها البعض تحمِّل الهوية العربية الإسلامية – في القلب منه اللغة العربية – مسئولية ما في واقعنا من سلبيات وهم يتساءلون:
• ما جدوى التمسّك باللّغة العربيّة وهي لا تَلِج بكَ بحر عِلمٍ ولا تدلف بكَ إلى تقانة حديثة؟
• أليس الفرد مدفوعًا إلى حُسنِ تملّك لغة العِلم والتِّقانة ليكون مُعاصِرًا زمانه؟
• فأيّ منزلة مرموقة للّغة العربيّة وليس للعرب في راهن أيّامهم ولا في مستقبلهم القريب سؤدد؟
وغفل هؤلاء – أو تغافلوا عن حقيقة أن مَحاور الصراع في السياسات العالَميّة اليوم أصبحت لغويّة ثقافيّة لأنّ الهويّة اللّغويّة والثقافيّة باتت أكثر أهميّة في علاقات الشعوب انفصالًا واتّصالًا، وهي مسألة أكّدها صامويل هنتنجتون في قوله
“إنّ الثقافة والهويّات الثقافيّة والتي هي على المستوى العامّ هويّات حضاريّة تشكِّل أنماطَ الصراع في عالَم ما بعد الحرب الباردة”.
إنّ اللّغة هي حاملة تراث المجتمعات وحضاراتها وتاريخها وأساس بناء مستقبلها ومقوّم هويّتها. وتُعلّمنا دروس التاريخ أنّه لا يُمكن أن يستمرّ حضور جماعة إنسانيّة بخصائصها المميّزة إنْ ضاعت لغتها.
وحضورنا اليوم في رحاب متحف الحضارة إعلان عن قناعتنا بمركزية دور اللغة في بناء المستقبل، واعتراف بتراثنا العريق وتقصيرنا في حقه، وإقرار بدور اللغة العربية في تشييد صرح حضارتنا في الماضي، ودورها الحتمي في العودة إلى مسار الصعود.
أشكركم وأحييكم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته











