بقلم : علياء الهوارى
لم تكن ليلة 23 يوليو 1952 مجرد لحظة انقلاب عسكري أو بيان عابر من داخل مبنى الإذاعة… بل كانت زلزالًا سياسيًا واجتماعيًا هزّ أركان الحكم الملكي، وأيقظ أمة بأكملها من سبات طال لعقود.
ثورة خرجت من رحم المعاناة، قادها ضباط آمنوا أن مصر لا تستحق أن تكون مستعمَرة أو مزرعة لأبناء الأسرة المالكة، بل وطنًا حقيقيًا لملايين البسطاء الذين طالما حُرموا من حق الحياة الكريمة.
في تلك الليلة، أعلن التاريخ ولادة جمهورية جديدة، وأدار الشعب المصري صفحة جديدة عنوانها: “الكرامة، والعدالة، والاستقلال”.
قبل الثورة، كانت مصر تعيش في ظل نظام ملكي تابع للاحتلال البريطاني، حيث الأرض بيد الإقطاع، والتعليم حكر على أبناء الطبقة العليا، والسلطة في قبضة نخبة لا تمثل سوى مصالحها.
انحسرت أحلام الفقراء في لقمة العيش، وعاش الفلاحون عبيدًا في حقول لا يملكونها.
كان الجيش يعاني من التبعية والتهميش، خاصة بعد صدمة الهزيمة في حرب 1948 التي كشفت عن حجم الفساد داخل النظام.
وسط هذا المشهد المظلم، نشأت حركة الضباط الأحرار، شباب في مقتبل العمر حملوا همّ الوطن على أكتافهم، وآمنوا أن التغيير ليس مستحيلًا، وأن الثورة هي الطريق الوحيد نحو وطن حرّ.
فجر الثالث والعشرين من يوليو، خرج صوت النقيب محمد أنور السادات عبر الإذاعة المصرية معلنًا سقوط النظام القديم، وميلاد فجر جديد.
كان البيان الأول للثورة بسيطًا في كلماته، لكنه عميق في تأثيره، أشعل الأمل في قلوب المصريين، وأربك حسابات الطبقة الحاكمة.
وبقيادة اللواء محمد نجيب، وتحت التخطيط المحكم للزعيم الشاب جمال عبد الناصر، بدأت الثورة في تنفيذ خطوات جذرية لإعادة بناء الدولة من جديد.
رغم التحديات، نجحت الثورة في تحقيق العديد من الإنجازات التي غيّرت وجه مصر لعقود
إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية عام 1953، لتتحرر مصر من حكم الفرد والعائلة.
الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين، لينتهي عهد الإقطاع.
مجانية التعليم، ليصبح العلم حقًا لكل طفل مصري، لا ترفًا للأغنياء فقط.
تأميم قناة السويس عام 1956، لتستعيد مصر سيادتها على شريانها الحيوي.
بناء السد العالي، أحد أعظم المشاريع الهندسية في العالم.
تمصير الاقتصاد والبنوك، وإقامة قاعدة صناعية وطنية.
كل ذلك جاء في إطار مشروع قومي هدفه إقامة عدالة اجتماعية، وسيادة وطنية، وهوية عربية متماسكة
لم تتوقف آثار ثورة 23 يوليو عند حدود مصر.
ألهمت الشعوب العربية والأفريقية، وكانت شرارة لتحرر عشرات الدول من الاستعمار.
تحول جمال عبد الناصر إلى رمز عربي، يقف بجوار حركات التحرر في الجزائر، واليمن، وفلسطين، وأفريقيا.
كانت القاهرة حينها قبلة الثوار، وصوت إذاعتها هو الأمل في قلوب المحرومين.
كما في كل ثورة كبرى، لم تَخْلُ تجربة يوليو من الأخطاء.
فقد ساهم نظام الحزب الواحد في إضعاف الحياة السياسية، وأدى غياب الديمقراطية إلى تقييد الحريات، وتضييق الخناق على المعارضين.
كما أدّت بعض السياسات الاشتراكية المتسرعة إلى مشكلات اقتصادية، أثّرت على القطاع الخاص، وساهمت في هروب الكفاءات.
وكانت نكسة 1967 صدمة كبرى، كشفت عن ثغرات عسكرية وسياسية، وهزّت ثقة الجماهير في مشروع الحلم العربي.
لكن رغم هذه التحديات، لم تنكسر الروح، وظلّت الثورة فكرة حية تتجدد مع كل دعوة للحرية والعدالة
ورغم مرور أكثر من سبعين عامًا على اندلاع الثورة، ما زالت 23 يوليو حاضرة في وجدان المصريين.
لأنها لم تكن مجرد تغيير نظام، بل تغيير وعي، وانتصار على اليأس.
أرست مبدأ أن الشعب قادر على التغيير، مهما طال الظلم، ومهما عظمت التحديات.
اليوم، ومع كل تطلع لمستقبل أفضل، نعود بروحنا إلى لحظة الثورة… نستدعي شجاعتها، ونستلهم دروسها، ونتعلّم من نجاحاتها وأخطائها على السواء.
ثورة 23 يوليو لم تُخلق لتُعلّق على الجدران، أو تُلقى في خطب المناسبات…
إنها حالة وعي وطني، يجب أن تتجدد في كل جيل، وأن تترجم إلى بناء حقيقي، ومجتمع عادل، ودولة قوية تحترم شعبها وتفتخر به.
علينا أن نحتفل بها، لا لنمجّد الأشخاص، بل لنستعيد الحلم… حلم وطن لا يُدار بالخوف، ولا يُباع بالمعونة، ولا يُكسر تحت الضغوط.
تحية لكل من حلم… وكل من ضحّى… وكل من قاوم.
تحيا مصر… قوية، حرة، أبية











