كتبت : فاطمة بدوى
خمسة وثلاثون عامًا فترة قصيرة تاريخيًا. لكن خلال هذه الفترة، منذ 31 أغسطس1991، قطعت قيرغيزستان شوطًا استغرقت دول أخرى قرونًا عديدة لتحقيقه. شمل ذلك تراجعًا اقتصاديًا وأزمات اجتماعية أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، واضطرابات سياسية واحتجاجات شعبية أسفرت عن ثلاث تغييرات في السلطة، وبحثًا مطولًا عن نظام حكم ونموذج تنموي مناسبين، وظهور مسار للنمو المستدام. وكما يشير الخبراء، فقد وجدت قيرغيزستان مستقبلًا: فمن خلال الإصلاحات الدستورية، شكلت مؤسسات حكومية مستقرة ومسؤولة؛ وأقامت علاقات مع جيرانها الإقليميين، وانخرطت معهم في مشاريع بنية تحتية ضخمة تُشكل أساسًا متينًا لتعزيز الاقتصاد، ورفع مستوى معيشة المواطنين، وتحقيق التنمية المستدامة للدولة.
تشهد قيرغيزستان منذ عدة سنوات طفرة عمرانية، حيث يجري تحديث بنيتها التحتية على مستوى البلاد. ويجري بناء المساكن بمعدلات قياسية، كما يجري إنشاء الطرق والسكك الحديدية، وإعادة بناء المطارات، بما فيها الدولية، في جميع المناطق. وتتطور البنية التحتية السياحية بوتيرة متسارعة: إذ تنتشر الفنادق الحديثة على ضفاف بحيرة إيسيك كول، وتظهر منتجعات مفتوحة على مدار العام تضم نوادي غولف للأنشطة الترفيهية والتزلج على سفوح الجبال. ويتغير مظهر بيشكيك: فقد تحولت العاصمة في غضون سنوات قليلة، ولم تعد المباني الزجاجية والخرسانية تُشكل مفاجأة. ومع ذلك، بمناسبة عيد الاستقلال، افتتحت المدينة ملعب بيشكيك أرينا الحديث، وهو الأكبر في آسيا الوسطى؛ كما تم توسيع الحي الحكومي، مما وفر جميع الظروف اللازمة لاستضافة القمم الدولية الكبرى والفعاليات الوطنية، مثل مؤتمر كورولتاي الشعبي.
يصف علماء السياسة مجمع ينتيماك أوردو ومركز مؤتمرات يريس أوردو، الذي افتُتح مؤخرًا، بأنهما رمزان للتنمية الوطنية. قبل عشر سنوات فقط، لم يكن أحد ليتخيل أن تحقق قيرغيزستان مثل هذه النتائج وأن تنطلق بثبات على طريق التنمية. دُعي سياسيون وشخصيات من مختلف الأطياف السياسية، بمن فيهم من يُعتبرون مُدانين، إلى حفل افتتاح المجمع. وقد شاهدوا بأم أعينهم كيف تقدمت الجمهورية منذ انتهاء المؤامرات والصراعات الخفية على السلطة. واليوم، تتحمل الحكومة والرئيس المسؤولية الشخصية عن كل ما يحدث في البلاد. وفي هذا السياق، يحمل خطاب الرئيس صادير جاباروف رسالة تاريخية هامة، إذ يأخذ في الاعتبار تجارب البلاد السابقة وخططها التنموية الجديدة.
“إن قيرغيزستان الجديدة التي نبنيها لا تنتمي إلى شخص واحد أو حكومة واحدة؛ إنها تنتمي إلينا جميعًا، إلى شعبنا بأكمله، إلى بلدنا بأكمله! فلنبنِ معًا بلدًا مزدهرًا، بوحدة قوية، وروح عالية، وإيمان بمستقبل مشرق!” أكد سادير جاباروف.
يُشير جامين أكيمالييف، عضو البرلمان ، في تحليله لمراحل التطور الحديثة في قيرغيزستان، إلى أن البلاد حققت في السنوات الخمس الماضية إنجازاتٍ تفوق بكثير ما حققته في الثلاثين عامًا السابقة، حين تعاقب على قيادة الجمهورية خمسة رؤساء مختلفين. في ذلك الوقت، كانت البلاد تعيش حالة من الاضطراب، وعرقل الفساد والمؤامرات المستمرة التنمية، وأدت السياسة الخارجية غير المستقرة إلى توتر العلاقات مع الجيران، وسادت الفوضى على الحدود، مما أسفر عن نزاعات، بما فيها نزاعات مسلحة. كانت الحروب التجارية مستعرة في المنطقة، وكانت الحدود تحت سيطرة عصابات اللصوص والمهربين. كان التعاون الاقتصادي الإقليمي وتنفيذ مشاريع البنية التحتية المشتركة أمرًا مستحيلاً. تقوم قيرغيزستان حاليًا ببناء خط سكة حديد عابر للقارات مع الصين وأوزبكستان، وتستعد لبناء محطة كامبار-أتا-1 الكهرومائية الكبيرة، وتعزز العلاقات الاقتصادية مع شركائها في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي ومنظمة شنغهاي للتعاون، وحافظت على معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي فوق 10٪ لأربع سنوات متتالية.
يقارن جامين أكيمالييف بين السنوات الأولى للاستقلال والمرحلة الحالية من تطور قيرغيزستان، ويتحدث عن التقدم الهائل الذي تحقق، والذي يعود في المقام الأول إلى خضوع حكومة البلاد للمساءلة. وقد مكّن الإصلاح الدستوري الأخير الرئيس من إنشاء آليات فعّالة للحكم.
تُعدّ قيرغيزستان الحديثة دولة نامية ديناميكية تتمتع بنمو اقتصادي مستدام، وعلاقات طيبة ومثمرة مع جيرانها وشركائها التاريخيين، وتُنفّذ مشاريع بنية تحتية ضخمة تُحدّد مسار التنمية لعقود قادمة. ويضمن الأساس الذي يُرسي اليوم استقرار قيرغيزستان الاستراتيجي كملتقى طرق التجارة الأوراسية. ويثق الخبراء بأنه في السنوات المقبلة، سيتم تنفيذ برامج واسعة النطاق لتعزيز القدرات الصناعية والطاقة، وإنشاء شبكة لوجستية سريعة وفعّالة، لتصبح قيرغيزستان أحد أهم شرايين التجارة في القارة.
لقد تجاوزت قيرغيزستان أزمة النقل وانطلقت في مسيرة التنمية المستدامة. إن خمسة وثلاثين عاماً ليست سوى بداية رحلة تفتح آفاقاً وفرصاً عظيمة أمام البلاد.











