كتبت: علياء الهواري
في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المخاوف الاقتصادية، وتتعاظم فيها احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران، برز اسم باكستان مجددًا كلاعب سياسي لا يتحرك من مقاعد المتفرجين، بل من قلب المشهد، بعدما تحولت إسلام آباد إلى عنوان رئيسي في أحاديث الوساطة والتهدئة، بوصفها الدولة التي يثق بها الطرفان في واحدة من أكثر الأزمات سخونة في الشرق الأوسط.
هذا الحضور اللافت لم يأتِ من فراغ، ولم يكن – وفق ما يؤكد الدبلوماسي الباكستاني السابق جويد حفيظ – نتيجة سعي باكستاني لاقتنااص دور أو صناعة نفوذ، بل جاء لأن «كلا الطرفين يثقان بباكستان، ولذلك برزت كأفضل وسيط ممكن لإحلال السلام
بهذه العبارة يختصر حفيظ المشهد كله؛ فإسلام آباد، كما يقول، لم تذهب إلى طهران وواشنطن عارضة خدماتها، وإنما وجدت نفسها في قلب معادلة فرضتها الحاجة إلى طرف قادر على الحديث مع الجميع دون حساسيات أو أجندات معلنة.
حديث حفيظ يكشف أن التحرك الباكستاني لا يقوم على فكرة الوسيط التقليدي الذي ينقل الرسائل فحسب، بل على فكرة “الطرف الموثوق” الذي يستطيع أن يفتح قنوات مغلقة في توقيت أصبح فيه التواصل المباشر بين الخصوم بالغ التعقيد.
ففي ظل التهديدات العسكرية المتبادلة، وتعثر الحلول السريعة، وتزايد القلق من أن أي شرارة قد تشعل المنطقة بالكامل، باتت الدول تبحث عن مساحة عقلانية توقف الاندفاع نحو الحرب، وهنا تحديدًا حضرت باكستان.
ويرى الدبلوماسي الباكستاني السابق أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن بادر إلى الوساطة، بل بمنح الثقة. فـ«باكستان لم تطرح نفسها للوساطة» كما يشدد، «لكن الولايات المتحدة وإيران معًا طلبتا منها لعب هذا الدور»، وهو ما يراه دليلًا واضحًا على حياد الموقف الباكستاني؛ لأن الدولة المنحازة لا يمكن أن يقبلها الخصمان في ملف بهذه الحساسية.
هذا التصور يمنح إسلام آباد أفضلية نادرة في لحظة سياسية مرتبكة؛ فهي تحتفظ بعلاقة مستقرة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه لا تقف في موقع عدائي من طهران، كما أنها بعيدة نسبيًا عن الحسابات المباشرة لساحات الاشتعال العربية، ما يجعلها قادرة على التحرك دون أن تُقرأ كل خطوة باعتبارها اصطفافًا مع هذا المعسكر أو ذاك.
ولا يتوقف الأمر – بحسب حفيظ – عند حدود الثقة الأمريكية الإيرانية فقط، بل يمتد إلى دعم إقليمي ودولي واسع لهذا المسار؛ إذ يشير إلى أن الدور الباكستاني يحظى بتأييد من مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا، فضلًا عن الصين وروسيا، وهي دول تدرك جميعها أن استمرار حالة الانفجار سيقود إلى ما هو أبعد من مجرد مواجهة سياسية بين دولتين، بل إلى زلزال جيوسياسي يضرب الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والممرات البحرية.
ومن بين السطور، تبدو الوساطة الباكستانية اعترافًا غير مباشر من الجميع بأن خيار الحسم العسكري لم يعد سهلًا كما كان يُتصور
فعندما تفتح القوى المتصارعة الباب أمام وسيط، فهذا يعني أن لغة الصواريخ لم تعد تكفي وحدها، وأن هناك إدراكًا متزايدًا بأن الحرب الشاملة لن تمنح نصرًا مجانيًا لأحد، بل ستورط الجميع في كلفة باهظة.
جويد حفيظ لا يقول صراحة إن واشنطن أو طهران وصلتا إلى حائط عسكري مسدود، لكنه يلمّح بوضوح إلى أن المنطقة «لا تحتمل مزيدًا من الجنون»، وأن البحث عن التهدئة لم يعد ترفًا سياسيًا بل ضرورة وجودية.
فأي انفجار واسع في هذا التوقيت لن يكون شأنًا محليًا يخص دولتين متصارعتين، بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية، وهو ما يفسر حالة الاستنفار الدبلوماسي الحالية.
ورغم أن البعض يقرأ التحرك الباكستاني باعتباره محاولة ذكية لإعادة تقديم إسلام آباد كلاعب دبلوماسي مؤثر على المسرح الدولي، فإن حفيظ يرفض حصر المسألة في هذا الإطار، معتبرًا أن «العالم اليوم ينظر إلى باكستان كدولة تحاول إحلال السلام في الشرق الأوسط رغم تحديات جبارة
هذه الجملة تكشف أن باكستان تدرك جيدًا قيمة اللحظة: فهي من ناحية تمارس دورًا أخلاقيًا وسياسيًا في إطفاء حريق إقليمي، ومن ناحية أخرى تعيد تثبيت اسمها في خرائط التأثير الدولي بوصفها دولة يمكن الوثوق بها في الملفات المعقدة.
لكن اللافت في حديث الدبلوماسي السابق هو إصراره على نبرة التفاؤل رغم حجم التعقيدات.
فحين يُسأل عن احتمالات الفشل، يجيب بوضوح: «نحن لا نفتكر في الفشل».
وربما تبدو العبارة دبلوماسية في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها إصرارًا على أن مجرد فتح قناة حوار في هذه اللحظة يمثل مكسبًا، وأن بقاء الباب السياسي مواربًا أفضل بكثير من ترك المنطقة لاندفاع السلاح.
ويضيف حفيظ أنه حتى إذا لم تنجح باكستان في تحقيق كل أهدافها، فإنها ستظل «دولة حاولت وبذلت كل ما في وسعها لإحلال السلام في هذه المنطقة الحيوية والحساسة».
وهو اعتراف ضمني بأن المهمة ليست سهلة، وأن الطريق بين الثقة والنتائج لا يزال طويلًا، لكن مجرد وجود طرف يحاول منع الانفجار يمنح الشرق الأوسط هدنة من الجنون.
في المحصلة، لا تبدو باكستان اليوم مجرد وسيط بروتوكولي ينقل رسائل بين عاصمتين متوترتين، بل تبدو كمن يمسك بخيط التهدئة الأخير في منطقة تتراكم فيها البارود فوق البارود.
وبينما تستمر الحسابات المعقدة فوق الطاولات المغلقة، يظل السؤال معلقًا: هل تنجح إسلام آباد في تحويل الثقة إلى سلام، أم أن الشرق الأوسط سيفلت من يد الوسطاء إلى يد الحرب؟
حتى الآن، لا أحد يملك الإجابة لكن المؤكد أن باكستان اختارت أن تقف في صف العقل، بينما يقف العالم كله مترقبًا أيهما سيكون أسرع: صوت التفاوض أم صوت الانفجار.











