بقلم: ليانغ سوو لي
إعلامية صينية
في 9 أبريل 2026، أصدر مجلس الدولة الصيني “الخطة العامة لمنطقة التجارة الحرة التجريبية في منغوليا الداخلية”، ليرتفع عدد مناطق التجارة الحرة التجريبية في البلاد إلى 23 منطقة.
وتمثل هذه المنطقة أول مشروع من نوعه يُعتمد مع انطلاقة الخطة الخمسية الخامسة عشرة. إن توقيت إنشائها واختيار موقعها، إلى جانب إدراج مفهوم “ترسيخ وممارسة الرؤية الصحيحة لتقييم الإنجازات” لأول مرة ضمن الخطة العامة، كلها عناصر تعكس رسالة واضحة مفادها أن المنطق الحاكم لبناء مناطق التجارة الحرة يشهد تحولًا عميقًا.
لماذا وقع الاختيار على منغوليا الداخلية؟ لا يمكن فهم ذلك بمعزل عن الإطار العام للخطة الخمسية الخامسة عشرة، التي شددت على دفع الانفتاح القائم على المؤسسات وتحسين التوزيع الجغرافي لمناطق التجارة الحرة. فمن بين 22 منطقة أُنشئت سابقًا، اكتمل إلى حد كبير توزيعها بين المناطق الساحلية والداخلية، في حين ظل الشريط الحدودي الشمالي يعاني فراغًا واضحًا.
ومع التقدم المستمر في بناء “الحزام والطريق” والممر الاقتصادي بين الصين ومنغوليا وروسيا، تحوّل هذا الفراغ إلى نقطة ضعف استراتيجية. ورغم ما تتمتع به منغوليا الداخلية من أكثر من 4200 كيلومتر من الحدود وعدد من المعابر الحيوية، فإنها ظلت تفتقر إلى منصة انفتاح عالية المستوى تدعم هذه المزايا. ومن هنا، فإن إنشاء منطقة تجارة حرة فيها يمثل استكمالًا بنيويًا لخريطة الانفتاح الوطني.
غير أن الدافع الأعمق يكمن في معالجة اختلالات نموذج التنمية القائم. فعلى مدى طويل، أدت منغوليا الداخلية دور ممر عبور رئيسي دون أن تنجح في بناء قدرات موازية في تجميع الصناعات وعناصر الإنتاج، ما أدى إلى ظاهرة “عبور السلع وتسرب القيمة”، وأوقعها في معضلة “ممر كبير ومنصة ضعيفة”. ومن ثم، تأتي أهمية منطقة التجارة الحرة في إعادة تشكيل هذه المعادلة عبر إصلاحات مؤسسية، لتحويل ميزة “العبور” إلى قدرة على “التجميع”، بما يغيّر نمط النمو من جذوره.
وعليه، فإن الميزة في هذه المنطقة من مناطق التجارة الحرة لا تتمثل في مجرد إضافة حزمة سياسات، بل في التحول المنهجي في منطق التنمية.
أولًا، على مستوى التموقع الاستراتيجي، يُظهر تشديد وتيرة الموافقات خلال فترة الخطة الخمسية الرابعة عشرة أن معيار إنشاء المناطق الحرة لم يعد قائمًا على الحجم، بل على القيمة الاستراتيجية. ويعني اعتماد هذه المنطقة اكتمال التغطية الجغرافية لمناطق التجارة الحرة عبر السواحل والداخل والمناطق الحدودية، مع توسع دورها من “محركات نمو” إلى “مرتكزات استراتيجية”.
ثانيًا، على مستوى فلسفة التنمية، تطرح الخطة العامة إنشاء خمسة مراكز تشمل تبادل المعلومات، والخدمات اللوجستية، وتخصيص الموارد، والابتكار التكنولوجي، والتعاون الصناعي. والهدف الجوهري هو تأسيس “اقتصاد محوري” قائم على تدفق العوامل وخلق القيمة، بما يدفع المنطقة إلى الانتقال من مجرد ممر عبور إلى منصة لإعادة توزيع الموارد، بحيث تتحول نتائج الانفتاح من مجرد تدفقات إلى قيمة اقتصادية متراكمة.
ثالثًا، على مستوى مصادر الدفع، كانت بعض المناطق الحرة في مراحل سابقة تعتمد على “الحوافز مقابل النمو”، ما خلق نوعًا من الاعتماد على السياسات التفضيلية. أما في المرحلة الجديدة، فتؤكد على وظيفة التجريب المؤسسي، من خلال توسيع نطاق الابتكار المؤسسي والتكامل بين السياسات، واعتماد مقاربات مخصصة. وبهذا، يتراجع الاعتماد على الامتيازات التفضيلية لصالح تعزيز عرض القواعد والأنظمة، ويتحول منطق التنافس من بناء “مناطق امتياز” إلى إنشاء “مرتفعات مؤسسية”.
تشير هذه التحولات إلى أن بناء مناطق التجارة الحرة ينتقل من التوسع الكمي إلى التنمية النوعية، مع تركيز أكبر على الابتكار المؤسسي وإمكانية تعميم التجارب. كما لم يعد الهدف من إنشاء مناطق جديدة تحفيز النمو المحلي فحسب، بل استكشاف مسارات قابلة للتطبيق على المستوى الوطني. وفي هذا السياق، تضطلع منغوليا الداخلية بدور “حقل تجريبي للابتكار المؤسسي في الانفتاح الحدودي”.
في خضم هذا التحول، يكتسب إدراج مفهوم “الرؤية الصحيحة لتقييم الإنجازات” أهمية منهجية. فإدراجه في الخطة العامة يعيد تعريف معايير التقييم: لم يعد الإنجاز يُقاس بمعدلات النمو قصيرة الأجل، بل بقدرة النظام المؤسسي وجودة التنمية على المدى الطويل، وهو ما يوجّه الحكومات المحلية من السعي وراء السرعة إلى التركيز على الابتكار المؤسسي.
وعلى مستوى التطبيق، يتجلى ذلك في حالة منغوليا الداخلية من خلال مسارين متكاملين: الأول، كسر قيود “اقتصاد الممر” لتحويل ثمار الانفتاح إلى مكاسب تنموية محلية تعود بالنفع على السكان؛ والثاني، معالجة الاختلالات الهيكلية عبر أدوات مؤسسية بدلًا من الاعتماد على سياسات تحفيزية قصيرة الأجل. كما أن تحديد فترة تجريبية تمتد من ثلاث إلى خمس سنوات، مع التركيز على إنتاج نماذج قابلة للتكرار والتعميم، يعكس توجهًا واعيًا للحد من النزعة نحو تحقيق إنجازات سريعة على حساب الاستدامة.
وعليه، فإن أهمية منطقة التجارة الحرة في منغوليا الداخلية لا تقتصر على كونها منصة جديدة للانفتاح، بل تتجاوز ذلك بوصفها إشارة سياساتية ونموذجًا مؤسسيًا يعكس دخول مناطق التجارة الحرة في الصين مرحلة جديدة تتمحور حول الابتكار المؤسسي، كما تجسد نظامًا لتقييم التنمية يقوم على الأداء طويل الأمد. وهذا التوجه هو ما يمنح هذه الخطوة دلالتها الاستراتيجية الأعمق.











