بقلم : ليانغ سوو لي
إعلامية صينية
تواجه كثير من المدن الكبرى حول العالم اليوم ما يمكن وصفه بـ«مأزق ما بعد التنمية»: ازدحام مروري متفاقم، وضغوط متزايدة على السكن، وبنية تحتية آخذة في التآكل، وتحديات بيئية متصاعدة. ورغم التوسع المستمر، لا يواكب ذلك تحسّنٌ مماثل في جودة حياة السكان.
من هنا يبرز سؤال أعمق: عندما تبلغ نماذج التنمية التقليدية حدودها، هل يمكن إعادة تصميم المدينة من جديد؟
في هذا السياق، تبرز منطقة شيونغآن الجديدة بوصفها تجربة تنطلق من هذا التساؤل. فمنذ الإعلان عنها عام 2017، لم تكن مجرد مشروع لبناء منطقة جديدة، بل منصة لإعادة توزيع وظائف العاصمة بكين، لا سيما غير الأساسية منها، بما يسهم في تحسين التوازن المكاني وتعزيز التنسيق الإقليمي. وهكذا تتجاوز أهميتها فكرة «بناء مدينة جديدة» لتصبح استكشافًا لمسار مختلف في التنمية الحضرية.
جوهر هذا المسار يتمثل في الإجابة عن سؤال بسيط في ظاهره، عميق في مضمونه: لمن تُبنى المدينة؟
في شيونغآن، لم يُعتمد نموذج التوسع القائم على استثمار الأراضي أو تضخيم الحجم، بل وُضعت جودة الحياة والخدمات العامة في صدارة الأولويات. ويتجلى ذلك في مفهوم «دائرة الحياة خلال 15 دقيقة»، حيث تتكامل المدارس والمستشفيات والمتنزهات مع الأحياء السكنية ضمن نسيج واحد، لتُصمَّم المدينة وفق إيقاع الحياة اليومية للإنسان، لا وفق معايير العرض والاتساع. إنها مدينة لا تسعى إلى الإبهار البصري، بل إلى هدف أكثر جوهرية: حياة أسهل، وأكثر راحة، وأعلى جودة.
وعلى صعيد البنية التحتية، اعتُمدت رؤية استباقية منذ البداية؛ إذ جرى تخطيط شبكات المرافق-من مياه وطاقة واتصالات-بشكل متكامل، وإدماجها تحت الأرض بصورة منهجية. ولا يعكس هذا النهج كفاءة تقنية فحسب، بل يجسد أيضًا فلسفة حوكمة طويلة الأمد تقوم على تقليل الاضطرابات المستقبلية وتخفيف الأعباء المتكررة عن حياة السكان، من خلال استثمار كثير نسبيا في الحاضر لضمان استقرار دائم في المستقبل.
بالتوازي مع ذلك، أُدمجت التقنيات الرقمية في إدارة المدينة بصورة منهجية. فمن خلال نظام «التوأم الرقمي»، يمكن محاكاة حركة المرور، وإدارة الطاقة، والتعامل مع الطوارئ في بيئة افتراضية قبل تنفيذها على أرض الواقع. وهذه المقاربة-«المحاكاة أولًا، ثم التنفيذ» -تنقل إدارة المدن من منطق الاستجابة إلى منطق الاستباق. غير أن جوهرها لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في ما توفره من خدمات أكثر كفاءة ودقة، سواء في تسريع الاستجابة للطوارئ أو تحسين توزيع الموارد وتعزيز منظومات الرعاية الاجتماعية.
وإذا كانت هذه العناصر تشكل الأساس التقني لشيونغآن، فإن بعدها الأعمق يتمثل في إعادة تشكيل الوظائف الحضرية. فمن خلال نقل مقرات مؤسسات كبرى، ومراكز بحثية، وخدمات عامة من بكين إلى شيونغآن بصورة منظمة، تشارك المدينة في مشروع أوسع لإعادة توزيع الموارد وتخفيف الضغط عن العاصمة، بما يعزز التوازن الإقليمي. ورغم أن هذا النوع من إعادة تشكيل الفضاء الحضري على مستوى الدولة لا يزال نادرًا عالميًا، فإن منطلقه واضح: تحقيق توزيع أكثر عدالة للموارد، وتمكين شريحة أوسع من السكان من الاستفادة من ثمار التنمية.
ولا يقل البعد البيئي أهمية، إذ وُضع في صميم عملية البناء. فقد شهدت منطقة باييانغديان جهودًا متواصلة لإعادة التأهيل البيئي، ما أدى إلى تحسن ملحوظ في جودة المياه وعودة تدريجية للتنوع البيولوجي. ويعكس هذا التوجه تحولًا عميقًا في فلسفة التنمية: البيئة ليست عنصرًا لاحقًا يمكن تعويضه، بل شرط أساسي من شروط رفاهية الإنسان.
في المحصلة، تعكس تجربة شيونغآن توجهًا يضع الاعتبارات طويلة الأمد في قلب التنمية. فلم تعد «الإنجازات» تُقاس بما هو ظاهر وسريع، بل بما يترك أثرًا مستدامًا في حياة الناس—كموثوقية البنية التحتية، واستقرار البيئة، وسهولة الوصول إلى الخدمات. وبعبارة أخرى، لم يعد السؤال: كم بُني؟ بل كيف يعيش الناس؟
ومع ذلك، لا تخلو التجربة من تحديات واقعية؛ فمدينة تُبنى من الصفر تحتاج إلى وقت لاستقطاب السكان، وتنمية اقتصادها، وبناء حيويتها. ولن يُقاس نجاحها عند اكتمال البناء، بل بعد سنوات، عندما يختار الناس أن يجعلوا منها مكانًا للاستقرار والعمل والحياة.
ورغم ذلك، فإن قيمة شيونغآن تتجاوز حدودها الجغرافية؛ فهي لا تقدم نموذجًا جاهزًا للاستنساخ، بل تطرح منهجية مختلفة: عندما تبلغ المدن حدودها، هل يمكن إعادة التفكير في بنيتها ووظائفها من الأساس، مع جعل رفاهية الإنسان نقطة البداية ومعيار التقييم النهائي؟
من هذا المنظور، لا تمثل شيونغآن مجرد مدينة صاعدة، بل تقدم إجابة حية عن سؤال أوسع: كيف ينبغي أن تكون مدن المستقبل؟











