كتبت: فاطمة بدوى
حرب مصر على الهدر المائي: من تبطين الترع إلى عدادات المنازل… هل تنجو آخر قطرة؟
تخوض الحكومة المصرية خلال السنوات الأخيرة معركة مفتوحة ضد إهدار المياه، في ظل تحديات متزايدة على رأسها ثبات حصة مصر من مياه النيل وتزايد عدد السكان وتداعيات التغير المناخي على توافر الموارد المائية
وتركز سياسات الدولة على خطة طويلة الأجل لإدارة الموارد المائية حتى عام 2037، ترتبط فيها مشروعات البنية التحتية بتغييرات تشريعية وحملات توعية تستهدف المواطن قبل القنوات والترع.
خطة قومية لمواجهة الفجوة المائية
وضعت الحكومة «الخطة القومية للموارد المائية 2017–2037» كإطار رئيسي لإدارة كل قطرة ماء، بهدف تعظيم الاستفادة من الموارد المتاحة وتقليل الفاقد في مختلف القطاعات.
ترتكز الخطة على أربعة محاور: تعظيم الموارد غير التقليدية كتحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف، تحسين جودة المياه، ترشيد الاستهلاك، وتهيئة البيئة التشريعية والمؤسسية الداعمة.
وتقدر استثمارات الخطة بنحو 900 مليار جنيه، ما يعكس إدراك الدولة لحجم الأزمة وخطورة استمرار أنماط الإهدار التقليدية في الزراعة والصناعة والاستخدام المنزلي.
الزراعة في قلب المعركة
يستهلك القطاع الزراعي نحو 85% من الموارد المائية في مصر، ما يجعل أي هدر في هذا القطاع عبئًا مباشرًا على الأمن المائي والغذائي للبلاد.
في مواجهة ذلك، تبنت الحكومة برنامجًا واسع لتطوير منظومة الري يشمل تسوية الأراضي بالليزر، واستخدام مواسير الري الحديثة، وتبطين الترع للحد من الفواقد الناتجة عن التسرب والبخر.
مشروع تبطين الترع وحده استهدف آلاف الكيلومترات من المجاري المائية، بهدف إيصال المياه بكفاءة أعلى إلى نهايات الترع التي كانت تعاني تاريخيًا من ضعف الضخ، وتقليل ضياع كميات كبيرة من المياه في التربة المحيطة.
إلى جانب ذلك، تعمل الدولة على نشر نظم الري الحديث بالتنقيط والرش في الأراضي الجديدة، وتقليل الاعتماد على الري بالغمر في الأراضي القديمة قدر الإمكان، مع ربط بعض برامج الدعم والتوسع الزراعي بالتزام المزارعين بهذه النظم.
كما يجري التوسع في زراعة محاصيل أقل استهلاكًا للمياه في بعض المناطق، وتشجيع أنماط زراعية أكثر كفاءة في استخدام الموارد، بما يحد من الهدر غير المباشر للمياه عبر المحاصيل كثيفة الاستهلاك.
إعادة استخدام المياه وتحلية البحرلم تعد مواجهة إهدار المياه مقتصرة على ضبط الاستهلاك، بل امتدت لتشمل إعادة تدوير كل قطرة يمكن استخدامها مرة أخرى في الزراعة أو الصناعة أو الشرب بعد المعالجة المناسبة.
فالحكومة تتوسع في مشروعات إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي بعد معالجتها، عبر محطات ضخمة مثل مشروعات معالجة مياه المصارف في بحر البقر والسويس وشمال سيناء، مع وضع ضوابط بيئية وصحية على نوعية المياه المعاد استخدامها.
تهدف الاستراتيجية المائية إلى زيادة كميات المياه المعاد استخدامها تدريجيًا حتى عام 2037، وسد جزء معتبر من الفجوة بين الموارد والاحتياجات عبر هذه المصادر غير التقليدية.
وفي موازاة ذلك، تتوسع الدولة في إنشاء محطات تحلية مياه البحر على سواحل البحرين الأحمر والمتوسط، خصوصًا لخدمة المدن الساحلية الجديدة وتخفيف الضغط على مياه النيل المستخدمة في الشرب.
ترشيد الاستهلاك المنزلي والتشريعات الردعية
على مستوى الاستخدام المنزلي، تعتمد الحكومة مزيجًا من الوسائل الفنية والتوعوية والتشريعية للحد من الإهدار اليومي للمياه داخل البيوت والشوارع والمباني العامة.
تشمل هذه الجهود تركيب عدادات مسبقة الدفع، وتشجيع استخدام قطع توفير المياه في الحنفيات والدش، وحملات إعلامية مستمرة تحذر من خطورة ترك الحنفيات مفتوحة أو استخدام المياه في غير الضروريات.
كما تعمل الدولة على تطوير شبكات المياه والصرف للحد من الفاقد الناتج عن الأعطال والتسربات، والذي يمثل نسبة ليست قليلة من إجمالي المياه المنتجة.
في المقابل، تتجه الحكومة لتشديد العقوبات على المخالفات التي تؤدي إلى إهدار المياه أو تلويثها، مثل الري بالمخالفة من مياه الشرب، أو إلقاء المخلفات في الترع والمصارف، أو التعدي على خطوط المياه الرئيسية.
وتتضمن هذه الإجراءات تطبيق غرامات مالية، وإزالة التعديات، وأحيانًا اتخاذ إجراءات جنائية في الحالات الجسيمة، في محاولة لخلق ردع حقيقي يغيّر سلوك الأفراد والمؤسسات تجاه المياه.
مشاركة مجتمعية وتعاون دوليتدرك الحكومة أن مواجهة إهدار المياه ليست معركة تقنية فقط، بل معركة وعي وسلوك، لذلك يتم إشراك منظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمواطنين في مبادرات توعية وتدريب على أساليب الاستخدام الرشيد.
وتشمل هذه المبادرات حملات موجهة للمدارس والجامعات، وبرامج إعلامية، وأنشطة ميدانية في القرى والنجوع لتوعية المزارعين بأهمية الالتزام بنظم الري الحديثة وعدم الإسراف في استخدام المياه.
على المستوى الدولي، تحظى الخطة القومية للموارد المائية بدعم فني ومالي من شركاء دوليين، من بينهم الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي ومؤسسات إقليمية، في ملفات إدارة الموارد المائية وإعادة الاستخدام وتحسين الكفاءة.
ويسهم هذا الدعم في نقل خبرات دولية في مجال إدارة الطلب على المياه، وتطبيق نظم متطورة للمتابعة والرقابة والتخطيط، بما يساعد مصر على مواجهة الضغوط المتزايدة على أمنها المائي في العقود المقبلة.
في المحصلة، تسعى الحكومة إلى بناء منظومة متكاملة تجعل من كل متر مكعب من المياه موردًا محسوبًا لا يُترك للمصادفة أو العادات القديمة، في بلد تُعد فيه كل قطرة مسألة أمن قومي وليست مجرد خدمة عامة.











