بقلم : ليانغ سوو لي
إعلامية صينية
إن اعتقال الولايات المتحدة لرئيس فنزويلا وزوجته قد تجاوز بكثير كونه مجرد حدث جيوسياسي عادي. فهذه الخطوة تمثل انتهاكًا مباشرًا لإحدى أهم ركائز العلاقات الدولية الحديثة، وهي مبدأ سيادة الدول وعدم المساس بها، كما تكشف بصورة صارخة عن حالة الاضطراب المتزايدة التي يشهدها النظام الدولي.
من منظور القانون الدولي، يفتقر هذا الإجراء إلى أي أساس قانوني مشروع. فهو يتجاهل صلاحيات مجلس الأمن، ويتجاوز مبدأ الحصانة القضائية الذي يتمتع به رؤساء الدول، ويقوّض القواعد التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها مبدأ المساواة في السيادة وعدم استخدام القوة. إن استبدال القانون الدولي بتشريعات وطنية تُفرض بالقوة تحت مسمى «إنفاذ القانون» لا يعدو كونه توظيفًا انتقائيًا للقواعد، ونتيجته الحتمية هي إضعاف سلطة القانون الدولي نفسه.
الأكثر خطورة أن مثل هذه الممارسات تخلق سابقة بالغة السوء. فإذا أصبح احتجاز قادة الدول أو إقصاؤهم بالقوة عبر الحدود خيارًا مقبولًا، فإن المجتمع الدولي سيتجه تدريجيًا نحو منطق شريعة الغاب، حيث تُقاس الحقوق بميزان القوة. وفي ظل هذا الواقع، ستتآكل الضمانات الأمنية للدول الصغيرة والمتوسطة، وتتسع فجوة انعدام الثقة بين القوى الكبرى، بينما تتراجع قدرة الآليات متعددة الأطراف على أداء دورها.
هذا المسار ليس جديدًا على منطقة الشرق الأوسط. فمن العراق إلى ليبيا، غالبًا ما جرى تسويق التدخلات تحت غطاء «الشرعية الأخلاقية»، لكن نتائجها كانت فوضى ممتدة، وتفككًا مؤسسيًا، ومعاناة إنسانية عميقة. وقد أثبتت التجربة مرارًا أن ما يُسمى بالنظام القائم على الإكراه الأحادي والهيمنة لا يفضي إلى الاستقرار، بل يولّد أزمات طويلة الأمد.
وتكشف حادثة فنزويلا، مرة أخرى، الأثر الهيكلي للنزعة الأحادية على النظام الدولي. فعندما تُدار القضايا العالمية وفق إرادة عدد محدود من الدول، تفقد المؤسسات متعددة الأطراف قدرتها على التنسيق والضبط، وتتحول القواعد المشتركة إلى نصوص قابلة للتجاوز. وفي نهاية المطاف، لا يتضرر طرف بعينه، بل تتآكل مصداقية النظام الدولي برمته.
كما أن الصراع الدائر حول فنزويلا لا ينفصل عن حسابات الموارد والمصالح الجيوسياسية. فخلف الخطاب السياسي والأمني، تبرز اعتبارات تتعلق بالسيطرة والنفوذ، بينما تتحول سيادة الدول إلى أوراق ضغط، ويدفع المواطنون العاديون الثمن الأكبر. وتؤكد التجربة أن السعي وراء المصالح عبر وسائل قسرية لا يمكن أن ينتج استقرارًا دائمًا، بل يراكم أسباب التوتر والصراع.
إن ما تواجهه فنزويلا اليوم يفرض على المجتمع الدولي سؤالًا جوهريًا: أي نظام عالمي نريد؟ هل هو عالم تحكمه موازين القوة، أم نظام تضبطه قواعد مشتركة تُطبق على الجميع؟ لقد أوضح التاريخ أن غياب القواعد لا يجعل العالم أكثر أمنًا، بل أكثر هشاشة وخطورة.
لهذا، بات من الضروري إعادة التأكيد على مبادئ السيادة المتساوية، واحترام القانون الدولي، والاحتكام إلى الحوار بدل الإكراه. فقط عندما تُطبق القواعد دون تمييز، وتُقيَّد القوة بالقانون، وتُحل الخلافات عبر التفاهم، يمكن للنظام الدولي أن يتجنب الانزلاق نحو مزيد من الفوضى.
إن معاناة فنزويلا تمثل جرس إنذار واضحًا. فهي تذكر العالم بأن عودة شريعة الغاب لا تهدد دولة واحدة فحسب، بل تهدد الجميع دون استثناء. وفي هذه اللحظة الفاصلة، يصبح الاختيار بين حكم القواعد أو منطق القوة اختبارًا حقيقيًا لمستقبل النظام الدولي.











